إعلان

... وماذا عن الببغاء مرزوق؟!

المصدر: النهار العربي
العنود المهيري
العنود المهيري
مسلمون صينيون أيغور
مسلمون صينيون أيغور
A+ A-
كان لجارتنا العجوز خادمتان هنديتان تتعاقبان على مساعدتها والاعتناء بمنزلها الفسيح. وبرغم اجتهادهما، إلا أنهما كانتا تتحاشيان رعاية الببغاء الرمادي الذي كان يشابه طباع العجوز في العض والتلفظ بالشتائم. فأهملت الخادمتان ذلك الجزء من مهامهما اليومية، وتركتا رعاية الطائر لمالكته.
 
ولكن متى ما تشاجرتا، يصبح "مرزوق" محوراً للاتهامات المتراشقة بينهما بعربيتهما المكسّرة. "لقد رفضت إطعامه حين كان جائعاً"، تصرخ إحداهما، فتذكّرها زميلتها بأنها حاولت بدورها إطعامه إلى القط الجائع. وتشتد المشاحنات، حتى تشرع إحداهما في البكاء. أسفاً على مرزوق المسكين، طبعاً. 
 
مرزوق ليس طائراً نزقاً فحسب. مرزوق قد يكون قضية، أو تظلماً، أو فئة مهمشة. مرزوق قد يكون ملفاً شائكاً، أو معاناة استمرت أطول مما ينبغي.
مرزوق قد يصبح موضوعاً حتى للتوترات بين الحكومات والأنظمة أمام أنظار المجتمع الدولي، أو "المدام" في هذا السيناريو. ألم تروا الصين وأستراليا، مثلاً، وهما تولولان حسرة عليه منذ نشأ العداء بينهما في نيسان (أبريل) 2020؟
 
وضعت أستراليا "أول مرزوق" على الطاولة: لقد انتقدت احتجاز الصين أقلية الإيغور المسلمة في معسكرات "إعادة التأهيل"، بالإضافة إلى قمع بكين التظاهرات المنادية بالديموقراطية والحرية في جزيرة هونغ كونغ. 
وفتحت الصين القفص بدورها: ألم تضع أستراليا آلاف اللاجئين في مخيمات في  جزيرة بابوا غينيا الجديدة، فلم تسمح لهم حتى بوطء أراضيها؟ ألم ترتكب فظائع يضيّق السجل عن حصرها ضد السكان الأصليين، والذين ما زالوا يعانون التهميش؟
 
يحتد النزاع، وتتضاعف رفرفة مرزوق بجناحيه الهزيلين، إذ إنه مجرد ذريعة تطلق في الهواء، فلا تدعمها أي نية صادقة في التغيير، أو رغبة في نصرة المستضعفين. يبدو مرزوق مثيراً للشفقة في كل مرة، مثل أبناء جلدتنا العرب الذين نراهم ينتحبون على القضايا الإنسانية في الدول التي تجمعهم الخلافات بها، ثم يديرون ظهورهم ليستهزئوا بالقضايا ذاتها في بلدانهم، خصوصاً متى ما تعلقت بالمرأة! 
وليس أسفي شخصياً على مرزوق. بل على جميع أولئك الذين يضطرون إلى الركوب فوق ظهره، والرهان على تحليقه.
 
إن الخلاف الصيني الأسترالي السالف الذكر، مثلاً، جيّش ما يتراوح بين 5 و10 آلاف إيغوري يسكنون في بلاد الكنغارو، ليقفوا الى جانب الحكومة الأسترالية، ويباركوا موقفها. بات يحدوهم الأمل الشديد فيها، فصاروا ينادونها بإدانة الصين، واعتبار ممارساتها ضدهم "تطهيراً عرقياً". 
 
فما لا يدركه هؤلاء هو أن المطاف دائماً ما ينتهي بمرزوق ساقطاً على الأرض، منتوف الريش، إذ تنتفي الحاجة الموقتة إليه. إن الأمر قد لا يتطلب أكثر من رفع الصين قيودها التجارية على الصادرات الأسترالية من الحديد والشعير والأخشاب، والتي تصل قيمتها الإجمالية إلى 153 مليار دولار، لتُحل الأزمة، ويُنسى إقليم شينجيانغ وكأنما لم يكن.
وأما الذين صدّقوا مرزوق، ورفرفته الكاذبة، فيبدو أن عليهم انتظار طبول الحرب والشقاق لتقرع من جديد.

 


 

 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم