إعلان

"إسرائيل كبيرة" في أوروبا

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
ملصق كتب عليه "أوكرانيا لا تستطيع التنفس" على واجهة متحف أصدقاء صهيون في القدس
ملصق كتب عليه "أوكرانيا لا تستطيع التنفس" على واجهة متحف أصدقاء صهيون في القدس
A+ A-
يمكن بكثير من الجهد تخيل "إسرائيل" كبرى في أوروبا، ولنتخيل أنها تقع في البلاد التي كان اسمها قبل وصول فولوديمير زيلينسكي إلى الحكم "أوكرانيا"، أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة، البلاد التي تأسست فيها إمبراطورية القياصرة الروس، بلاد من الغابات العميقة والأنهار المتدفقة والسهول التي ينتظر قمحها العالم، هذا تقريباً هو وعد زيلينسكي للغرب إذا وافق على برنامجه في مواجهة الاجتياح الروسي.
 
ستحصلون على إسرائيل كبيرة هنا إذا أرسلتم لنا طائرات، لا بأس أن تكون ميغ 29 من الحقبة السوفياتية، وأنظمة دفاع جوي وصواريخ "جافييل" أكثر، ومسيّرات أميركية حديثة، رغم أن "بيرقدار" التركية تبدو مناسبة،  وناقلات مدرعة أسترالية وبريطانية فهي الأفضل، و"القبة الحديدية" هي الأفضل أيضاً، ولو امتنعتم بقليل من التضحية عن شراء الغاز الروسي وتحملتم شيئاً من البرد، وأغلقتم الموانئ الأوروبية أمام سفن بوتين، وتقبلتم نسبة التضخم وبعض الغلاء، وطردتم المندوب الروسي من منظمة حقوق الإنسان وبقية المندوبين من المنظمات الدولية، كذلك الرجل الروسي السمين الذي يضع نظارته على أنفه ويقرأ ببطء وتعثر ويرفع يده بالفيتو بين وقت وآخر، ذا الوجه الشمعي من مجلس الأمن، ثم لا تدفعوا بالروبل، والأهم منطقة حظر جوي وحرب عالمية ثالثة... ستحصلون على صفقة كاملة روسيا مستنزفة وإسرائيل أوروبية في الوقت نفسه.
 
من بين التنوع المدهش للنظم السياسية والتجارب الديموقراطية في أوروبا، اختار الرئيس الأوكراني "إسرائيل" كنموذج يستدرج فيه العالم الغربي، ويقنعه بمواصلة تسونامي الأسلحة التي تصل من الجميع تقريباً إلى بلاده وتكثيفه، والعقوبات التي لم تترك شيئاً في روسيا إلا وشملته باستثناء أنابيب الغاز.
 
لم يتوقف أمام النموذج الإسكندنافي بتنوعه وجدارته وقدرته على بناء مجتمعات حرة وعاملة ومكتفية، وحياة محمولة على شبكة أمان اجتماعي، أو النموذج الألماني الذي حقق المعجزة الاقتصادية المدهشة بعد خروج ألمانيا المحطمة والمقسمة من الحرب العالمية الثانية، أو إنكلترا التي لا ينام رئيس وزرائها وهو ينقل الأسلحة إلى أوكرانيا، ووزيرة خارجيته التي تكاد تنتف شعرها وهي تتحدث عن الأم الأوكرانية الحامل من خاركيف، أو النمسا ... إلى آخر هذه النماذج المحيطة به والتي ترسل أسلحة وأموالاً إلى عاصمته، وتستقبل الملايين من أبناء شعبه المهجرين.
 
يرغب زيلينسكي بشدة في أن يضغط أوكرانيا بتاريخها وغاباتها وسهولها وثقافاتها ومقاومة شعبها ويحشرها في حلمه الشخصي، وبين أوراق جواز سفره الإسرائيلي.
 
يقدم زيلينسكي نظام الأبارتيد الإسرائيلي كنموذج لمستقبل أوكرانيا، نظام أدانته منظمة حقوق الإنسان التي يطالب بطرد روسيا من عضويتها، نظام يمارس احتلالاً هو الأكثر فاشية في العالم ويمثل أمام محكمة العدو الدولية كمرتكب جرائم حرب، والمجتمع الأكثر تسلحاً في العالم، النظام الذي رفض استقبال الأوكرانيين من غير اليهود، رغم أعدادهم القليلة، من دون كفالات مالية، النظام الذي قسّم اللاجئين من بلاده في مطار بن غوريون وقبل دخولهم إلى يهود وغير يهود، النظام الذي يواصل ارتكاب المجازر في الاتجاهات الأربعة منذ ما قبل تأسيس "الدولة"، يقترحه كنموذج لأوكرانيا المنتصرة على الاحتلال الروسي.  
 
مهووس في محاولاته إثارة إعجاب "الغرب"، في البحث عن مناطق حساسة في الوعي الغربي. ورغم ذلك.. الأداء يتراجع ويمضي من دون شرارة، والنص يتكرر من دون إضافات، وتتراكم الشبهات حول ما يصدر من هناك، الأرقام والصور والأخبار، وتتراجع نسبة المشاهدة.
 
الرجل الذي ساهمت قراءته وأحلامه وتحالفاته بالغزو الروسي وتدمير بلاده وتفكيكها وتشريد شعبه، يحاول إعادة تركيب ما بقي منها على شكل أبارتيد أوروبي.
 
قراءة الرئيس الأوكراني الصغيرة ضيقة الأفق للتاريخ والواقع، تحدث ضرراً كبيراً لفكرة التضامن التي تحيط بمأساة الشعب الأوكراني والوقوف مع مقاومته، وهي تعكس في  الوقت نفسه ثقافته السياسية وخبرته التي تبدو محدودة وغير قادرة على تجاوز الـ"كليشهات" الغربية في الخمسينات من القرن الماضي، حول المعجزة "اليهودية" في فلسطين، الكليشهات التي تفككت وتجاوزها جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوروبا.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم