إعلان

مصر: العودة الفرعونية!

المصدر: النهار العربي
محمد قواص
من احتفالية نقل المومياوات الملكية المصرية
من احتفالية نقل المومياوات الملكية المصرية
A+ A-
اختل توازن العالم العربي منذ أن قررت مصر أن تدخل إلى جدرانها وتنكفئ عن لعب أدوار خارج حدود البلد. في البال ذاكرة الفترة الناصرية (1954-1970)، وتجربة الوحدة مع سوريا (1958-1961)، والانخراط في حرب اليمن (1962-1968)، وتمدد الخطاب العروبي الناصري نحو بلدان المنطقة ورعاية الانقلابات الثورية، لا سيما في ليبيا والسودان (1969). 
 
راجت في الوعي الجماعي المصري بعد وفاة عبد الناصر (1970)، وخصوصاً بعد "حرب اكتوبر" (تشرين الأول 1973)، فكرة تحميل التورط في قضايا الخارج مسؤولية الوهن والأزمات داخل البيت المصري، وتعاظمت دعوات الخروج من الحروب والدوران حول محورها. في ذلك منطق موضوعي، كما فيه تذرع للانعزال عن شؤون منطقة، هي الأعقد في العالم، وهي، بالبداية والنهاية، فضاء أمن مصر الاستراتيجي.
 
حين قرر العرب عزل مصر وإخراجها من الجامعة العربية ونقل مقرها من القاهرة عقاباً على "إثم" كامب دايفيد (1978)، بدا أنهم من حيث لا يدرون جرّوا مياهاً إلى طاحونة من ينفخون في مصر برياح الطلاق مع العرب. بقي الرئيس الراحل أنور السادات ينظر إلى المنطقة من شرفة مصرية، مبشراً بعصر "الانفتاح" على العالم الكبير، واعداً بانتشال بلده والحاقه بشروط عصر حديث. كانت ساعة مصر قبل ذلك تحركها عقارب تزحف بطيئة وفق الصدح بتحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية وهزم الامبريالية .. الخ.
 
بيد أن خيار مصر وخيار العرب لمصر (بعد كامب دايفيد) أقال القاهرة راضية من لعب أي دور مركزي في شؤون المنطقة، من دون أن يداوي ذلك التحول علل البلد ويعزز ريادة خياراته. والحال أن انتفاضات المصريين، لا سيما تلك في "25 يناير" (كانون الثاني 2011) مثّلت أعراض ورم تفاقم حاله، فأخفق شعار "مصر أولاً" في توفير الترياق المتوخى، ولم يخرج البلد من أزمته لا من طريق "الحرد" من العرب ولا في النزوع نحو  "الانفتاح" الموعود.
 
بات إنقاذ مصر في السنوات الأخيرة (خصوصاً منذ تولي عبدالفتاح السيسي سدة الرئاسة) عنواناً موضوعياً لتجنب إدخال البلد في صراعات وقضايا الآخرين. كان من السهل على أي مسؤول أو مراقب في القاهرة أن يتحدث ملياً عن "أزمة البلد" الاقتصادية والسياسية والأمنية (لاسيما المواجهة مع "الإخوان" والتصدي للإرهاب) لتبرير غياب مصر عن قضايا العرب الدراماتيكية. 
 
بدا أن القاهرة شديدة التحفظ والحذر وتقيم حسابات دقيقة لمواقفها في شأن الحرب في سوريا والتطور في ليبيا والتحول في العراق والمعركة في اليمن. بدا أيضاً أن مصر تسعى للحفاظ على توازن في علاقاتها الخليجية ومقاربتها للأزمة مع إيران. ينسحب أمر الحذر في السياسة الخارجية المصرية على العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا كما العلاقة مع روسيا والصين.
 
تدرك مصر أن استقرار البلد وأمنه لا يمكن أن تقررهما استراتيجية داخلية. تدرك أيضاً مدى القوة الكامنة التي تمتلكها والتي تستطيع أن تصل إليها إذا ما توافرت شروط ذلك. تدرك القاهرة أيضاً أن العالم الذي يحابي مصر يخافها قويةً، وحين تخاف العواصم تستخدم مخالبها. ولئن حرصت مصر على المبالغة في إبراز انهماكها في الشؤون المنزلية، فإن الخارج أطل بنفسه يجبر القاهرة على كشف قدراتها على ممارسة سياسة خارجية نافرة لحماية الأمن القومي.
 
أطلت القاهرة بقوة على مسألة الأخطار المقبلة من ليبيا والتهديد الذي يمثله سد النهضة والمشهد الجديد الذي يفرضه سوق الطاقة في شرق المتوسط. بدا أن القاهرة تنشط لمدّ مشروع "المشرق الجديد" مع الأردن والعراق، وتمارس جهوداً باتجاه لبنان قد تكون مقدمة لقيادة سياسة عربية تجاه سوريا، وتمسك بمفاتيح الربط والحل في ملف فلسطين. وأياً كانت هذه الأعراض فهي واجهات تؤسس لـ "عودة" الدور المصري الفاعل في شؤون المنطقة.
 
والحال أن مصالح مصر اليوم تفرض على البلد دوراً عربياً وإقليمياً ودولياً. الأمر ليس خياراً ايديولوجياً بل بات من أبجديات حماية البلد وصون طموحاته في التنمية والاقتصاد. 
 
سيكون على القاهرة أن ترعى ترميم الأداء العربي العام في مواجهة الأجندات المباشرة للقوى الإقليمية الثلاث: تركيا، إيران وإسرائيل. 
وسيكون على مصر بناء مقاربات حضور داخل التحولات التاريخية الكبرى التي تشهدها وستشهدها المنطقة والتي قد تعيد رسم الخرائط. 
 
ولئن لعبت القاهرة دوراً مفصلياً في ما تحقق من عملية سياسية في ليبيا، وفي قيام "منتدى غاز شرق المتوسط"، وفي السعي مع السودان، بحزم وبراغماتة، لمواجهة تحدي سد النهضة الإثيوبي، فإن لذلك السلوك خريطة طريق تكشف تحولاً في قراءة القاهرة للمشهدين الإقليمي والدولي، وتفرج عن تحول في الوسائل والسبل التي تنتهجها داخل الدوائر المحيطة القريبة والبعيدة، على النحو الذي تعبر عنه التحولات التركية اللافتة باتجاه مصر.
 
تُظهر فجأة مصر قوتها الحقيقية الكامنة. باتت تجربتها الاقتصادية الحديثة، وفق تقارير صندوق النقد الدولي، نموذجاً تحتذي به الدول الباحثة عن سبل للخروج من أزماتها. تُظهر مصر قدرات مصرية عالية في معالجة أزمة قناة السويس الأخيرة التي هددت بإرباك التجارة العالمية. وفي ما تباهت به في "موكب المومياوات الملكية" أخيراً، استعرضت مصر نفوذها الحضاري الكبير الذي ينهل مشروعيته وعبقه وأصوله من بطون التاريخ.
 
باتت مصر تحتاج إلى العبور من الظل إلى النور. تجاوز البلد محناً خطيرة في أمنه واستقراره وصحة خزينته، ولم يعد هناك حرج في تعويم قوة البلد في نسختيها الناعمة والخشنة. 
 
كثيرون في المنطقة والعالم يخافون قوة مصر هذه واستفاقتها الواعدة. تدرك القاهرة ذلك جيداً ولا تعمل على الاستعراض كثيراً، مكتفية بالدأب على حياكة قوتها الناعمة. هكذا أيقظت مصر بحكمة وحصافة 22 ملكاً وملكة فرعونية أخرجتهم إلى النور، وكأنها تعلن الخروج من العتمة. غير أن الثابت أن القاهرة التي طابت لها سياسة الصبر البناء ستضع ملوكها في المتاحف وتتأنى في "عودة" لا تريدها فرعونية.
 
يبقى أن تحدي سد النهضة الداهم يؤسس لطبيعة وحدود قوة التحول الجديد في سياسة مصر الخارجية. ذلك أن الملف مرتبط بأمن مصر المباشر بحاجة كل مصري، وليس ترفاً يجوز تأجيله. والأرجح أن إخراج ملوك الفراعنة أمام كاميرات العالم، يحضر هذا العالم لمصر بنسخات مؤسسة للمشهد الدولي الراهن. والمقبل.
الكلمات الدالة