إعلان

محاذير أوروبيّة للعقوبات الأميركيّة على روسيا

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
اعتقال نافالني
اعتقال نافالني
A+ A-
فرضت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، الأسبوع الماضي، دفعة جديدة من العقوبات على روسيا، على خلفية تسميم المعارض أليكسي نافالني واعتقاله، في خطوة تشير إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة لا تضع في أولوياتها مسألة إعادة ضبط العلاقات مع موسكو.  
 
منذ حملته الانتخابية، كان بايدن يوجه انتقادات حادة لروسيا ويتّهم سلفه الجمهوري دونالد ترامب بالتساهل مع قضية "التدخل الروسي" في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وليس هذا فحسب، بل إن كثيراً من الديموقراطيين كانوا يأخذون على ترامب "إعجابه الشديد" بشخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. 
 
وفي المكالمة الهاتفية الأولى بينهما، قال بايدن لبوتين بلهجة لا تقبل التأويل، إن زمن نجاة روسيا بأفعالها "قد ولّى"، وإن الولايات المتحدة ستحاسب روسيا على "عدوانيتها". وقرأ المراقبون في هذه اللهجة تشدداً لم يظهر خلال مهاتفة بايدن الرئيس الصيني شي جيبينغ، برغم أن واشنطن منخرطة في حرب تجارية مع بكين والخلافات معها حول هونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي تتصاعد يومياً.  
 
كرر بايدن أكثر من مرة، أن إدارته عازمة على أخذ القيم الأميركية في الاعتبار عند رسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأنها ستعيد ضبط علاقاتها مع كثير من الدول، انطلاقاً من هذا المبدأ. وهذا ما ورد أيضاً في وثيقة الأمن القومي الاستراتيجي، التي أصدرها البيت الأبيض قبل أيام.  
 
لكن المضي في التشدد مع روسيا من شأنه أن يؤجج التوترات الدولية في كثير من مناطق النزاع في العالم. من الجبهة الشرقية لحلف شمال الأطلسي إلى أوكرانيا والقوقاز وأفغانستان وسوريا. غياب التوافق الأميركي - الروسي لن يسهم بأي شكل من الأشكال في تهدئة هذه المناطق. في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو، وسيجد حلف شمال الأطلسي نفسه مضطراً للحشد أكثر من أجل تلبية متطلبات حماية دول مثل بولندا وجمهوريات البلطيق امتداداً إلى الحدود الشمالية للحلف في النرويج، حيث تعزز أميركا قواعدها مع زيادة في طلعات المقاتلات الروسية من الجهة المقابلة.  
 
كما أن بؤر النزاع الحالية في شرق أوكرانيا وسوريا سيكون من الصعب البحث عن حلول لها، إذا كانت الثقة الأميركية - الروسية منعدمة إلى هذا الحد. وليس مستبعداً أن ينعكس التأزم بين واشنطن وموسكو على هاتين المنطقتين لناحية معاودة العمليات القتالية على نطاق واسع. ومن شبه المسلّم به أن العملية السياسية في سوريا لن يكون لها أفق، ما دام الأميركيون والروس لا يجلسون إلى طاولة الحوار للتفاهم على الخطوط العريضة لتسوية سياسية. والتنسيق العسكري الجاري لتفادي الاحتكاكات بين الطيران الأميركي والروسي في سماء سوريا، لا يكفي ليطلق زخماً يدفع نحو حل ما.  
 
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، الضغط الأميركي على روسيا، سيدفع موسكو إلى تعميق تعاونها الاستراتيجي مع الصين، القوة الاقتصادية والعسكرية الصاعدة الأخرى، التي تخشاها الولايات المتحدة.
وعلاوة على ذلك، يحذر مراقبون من أن يسفر التركيز الأميركي على روسيا عن إفساح المجال أمام زيادة النفوذ الصيني، وتالياً التسبب بمشكلة أكبر للولايات المتحدة على المدى البعيد. ولذلك ثمة أكثر من رأي داخل الإدارة الأميركية ممن يحذرون من الذهاب بعيداً في الضغط على روسيا، كي لا تستفيد الصين من تقلص النفوذ الروسي، ومن المساحة المعطاة لبكين للمضي في سياسة التحدي للولايات المتحدة، خصوصاً في منطقة الهادئ وفي البلدان الواقعة ضمن مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، التي صارت تشمل أكثر من 70 بلداً في العالم.   
 
كما أن دولاً أوروبية حليفة للولايات المتحدة، مثل ألمانيا، تبدي تحفظات عن تشديد العقوبات الأميركية على موسكو، وخصوصاً في ما يتعلق منها بأنبوب الغاز "نورد ستريم-2" الذي يربط روسيا بألمانيا. فهذا الخط يعود بالفائدة مبدئياً على البلدين. بينما تسعى الولايات المتحدة إلى حرمان الكرملين من العوائد التي سيجنيها عند اكتمال العمل بالأنبوب. لكن الضغط الأميركي على روسيا، يؤثر استطراداً في الشركات الألمانية التي استثمرت فيه. ويثير هذا الأمر انزعاجاً بادياً في أوساط الحكومة الألمانية. 
وجملة القول، إن انتهاج سياسة العقوبات وحدها مع روسيا، ستترتب عليه نتائج لا تطاول موسكو وحدها بل دولاً أوروبية أخرى أيضاً، ويعيد إلى الأذهان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي السابق. 
فهل يحمل ذلك بايدن على انتهاج سياسة أكثر واقعية حيال روسيا مستقبلاً؟ من الصعب التكهن في هذه المرحلة بمآلات الأمور.
 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم