إعلان

الروليت الروسيّة على الطّريقة الجزائريّة

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
الفريق المتقاعد محمد مدين والسعيد بوتفليقة ولويزة حنون واللواء المتقاعد بشير طرطاق
الفريق المتقاعد محمد مدين والسعيد بوتفليقة ولويزة حنون واللواء المتقاعد بشير طرطاق
A+ A-
سادت القناعة لدى كثيرين بأن الجزائر دخلت بعد 12 كانون الأول (ديسمبر)  2019 منعطفاً جديداً، سمته الرئيسية هي الاستمرارية مغلفة بشعار القطيعة مع نظام عبد العزيز بوتفليقة، مسار الانتخابات الرئاسية أثبت هيمنة الجنرال الراحل قايد صالح على مفاصيل الدولة، وقد ظهر منذ البداية أن الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون كان مجرد ظل للجنرال القوي الذي اعتُبِرَ الفائز الأكبر من الحراك الشعبي، فقد استطاع الرجل تحييد خصومه في الحلقة الضيقة للنظام، بل زج بهم في السجن وألبس ذلك لبوس من يستجيب لمطالب الشارع في محاربة الفساد، كما أنه استطاع أن يستثمر في خوف كثير من النخب من سقوط النظام وتفكك مؤسساته وبنياته.

لقد شكل الحراك الجزائري منذ انطلاقه شكلاً من أشكال التمرد على السياق الدولي، خاصة مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث أصبحت الديموقراطية ونفاذ الحقوق والحريات في بلدان المنطقة، موضوعات لا تحظى بالأولوية عند حاكم البيت الأبيض في تحديد العلاقات الخارجية. في هذا السياق استطاع الراحل قايد صالح أن يضرب عصفورين وأكثر بحجر واحد، فهو من جهة أزاح خصومه من الطريق وزج بهم في السجن، مستفيداً من تغذية الحراك الاجتماعي للشعور الرافض لهم، وخاصة الجنرال توفيق والسعيد بوتفليقة وبعض رجال الأعمال، ومن جهة ثانية امتلك عرضاً قدمه للشارع ساهم في انقسامه، ألا وهو محاربة الفساد، ومن جهة ثالثة وضع أحد رجاله في منصب رئيس الجمهورية فعلياً، هذه هي الصورة التي كان يعتقد البعض أنها ستحكم الجزائر لفترة طويلة، رئيس بحكم الأمر الواقع، شارع منقسم على نفسه، ودولة تتلمس الطريق إلى الأجوبة المقنعة لحراك استمر منذ شباط (فبراير) 2019، في المحصلة العامة يمكن القول إن مآلات الحراك في الجزائر توضح أن الحراك لم يستنفد بعد كل ما في جعبته.. لكن لماذا لم ينجح الحراك في تحقيق كل أهدافه، برغم ما عرفه من زخم البدايات؟ يمكن القول إن عجز الحراك عن إفراز قيادة، ساهم في إضعافه وترك الساحة مشرعة للقايد صالح الذي لم يفوت الفرصة ساعتها، الأمر الثاني هو تطويقه لخصومه من أركان النظام، الأمر الثالث تمثل في الدور السلبي والهامشي للقوى السياسية والنقابية والحزبية التي رفضها الشارع، لذلك فقدت قدرتها على التأثير على الحوادث، الأمر الرابع هو رد الفعل الخارجي الذي اتسم بالحذر الشديد مما يجري، وهو ما استمر إلى إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التي حسمها قايد صالح منذ الجولة الأولى، وذلك تفادياً لكل مفاجأة في الدور الثاني، وحتى يتمكن من تشويه الحراك والحد من شرعيته بتصويره كرافض للمسار الدستوري. 

القايد صالح سيتم التخلص منه بعدما استنفد مهامه، شكل ذلك دلالة على فتح مسار جديد للوضع في الجزائر، ويمكن القول إن محكمة الاستئناف العسكري بالبُليدة أطلقت رصاصة غادرة على الحراك الشعبي في الجزائر، وهي تقضي قبل أسبوع ببراءة كل من الجنرالين توفيق مدين مدير المخابرات الجزائرية الأسبق وعثمان طرطاق المنسق السابق للأجهزة الأمنية، ولويزة حنون، زعيمة حزب العمال اليساري، إضافة إلى شقيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة السعيد بوتفليقه المتهمين في قضية التآمر على سلطتي الجيش والدولة ممن تم وصفهم بـ"العصابة"، وقبل هذا الحكم بأيام كان الجنرال خالد نزار قد عاد على متن طائرة رئاسية من برشلونة التي فر إليها مع بداية الحراك، هذه الحوادث المتواترة تزامنت مع غياب رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي دام شهرين بداعي الإصابة بكورونا، وعودته الغامضة مصاباً في رجله اليمنى دون تفاصيل تذكر، يضاف إلى ذلك الموت الغامض للجنرال قايد صالح، والصراع الصامت بين كل من الفريق أول بنعلي قائد الحرس الجمهوري والفريق شنقريحة قائد الأركان.

ما تعرفه الجزائر، يعدّ مؤشراً خطيراً على دخولها نفقاً جديداً، العنوان الغالب عليه هو عودة أقطاب الدولة العميقة وتصفية تركة القايد صالح الذي عمل على إنقاذ النظام بالتضحية بجناح منه، كجواب على مطالب الحراك الشعبي، فعودة الجنرال الدموي خالد نزار رفقة الجنرال توفيق، في حالة عجز الجيش والمخابرات عن إفراز قيادات جديدة تقطع مع تركة الجنرالات ضباط الجيش الفرنسي الذين التحقوا متأخرين بالثورة الجزائرية وساهموا في تحريفها عن مسارها، فإن الجزائر لا محالة ستسقط الحالة السورية كما تنبأ كثير من الدراسات التي تناولت الأوضاع في الجزائر ما بعد الربيع العربي. يتزامن ذلك مع أزمة اقتصادية خانقة عمدت فيها الدولة الجزائرية إلى طبع أوراق مالية دون التوفر على ما يقابلها من الذهب والعملة الصعبة، ما يرفع نسبة التضخم التي قد تصل إلى 50 بالمئة، في ظل اقتصاد جامد ما زال يربط 93 بالمئة من مداخيله بصادراته من المحروقات، في لحظة يجتاز فيها العالم حالة ركود واسعة أثرت وستؤثر على الاقتصاد العالمي. 

القيادات الجزائرية بتناقضاتها وخلاقاتها السابقة، تدخل اليوم لعبة الروليت الروسية، لكن على الطريقة الجزائرية... حيث الجنرالات بسبع أرواح.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم