إعلان

حرب الاستعادة... الورشة القادمة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يزور مستوطنة اسرائيلية
وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يزور مستوطنة اسرائيلية
A+ A-
تأتي المقارنة وحدها، تفرض نفسها في تركيب متداخل بين الذاكرة والمخيلة، حشود الروس الخارجين من وراء الستار الحديدي الذي حصّنته الأيديولوجيا والقمع، واندفاعهم نحو "مجلس الشعب"، حيث تحصّن "العهد السوفياتي القديم" في محاولة يائسة لاستعادة الزمن، وبين مناصري ترامب الذين اندفعوا الى شرفات مبنى "الكابيتول" وقاعاته في واشنطن، براياتهم وأزيائهم الغريبة ومطالبهم المحصنة بنظريات التفوق العرقي ونزعة ملاكي العبيد ونبوءات العهد القديم.  
 
برغم أن ترامب كان يسعى في حركته التي توّجت مسيرة كثيفة من التشكيك والتحريض الى أن يكون مزيجاً من غورباتشوف صاحب النظرية وبوتين الذي استعاد عظمة روسيا، إلا أنه في أفضل حالاته حصل على يلتسين، الشعبوي المبتذل، يلتسين من دون دبابة ليصعد على ظهرها ويلوح أمام نوافذ "المؤسسة"، لذا بدا المشهد في واشنطن أقرب الى الرثاثة والابتذال، وكان صادماً تماماً.
 
الأمر أن الديموقراطية الأميركية بأمراضها وشقوقها التي تسلل منها شخص مثل دونالد ترامب، استطاعت مواجهة هذه الموجة، الموجة التي تضاعفت خلال أربع سنوات من حكم شعبوي منح العنصرية فرصة أن تتنفس بقوة في وجه الأميركيين لأربع سنوات طويلة، ومنح الشعبويات في العالم والديكتاتوريات والفاشية الجديدة فضاء يمتد من أميركا اللاتينية الى الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الدرس البسيط والمؤلم هو أن خطر تحطيم المؤسسة الديموقراطية قائم ومن الممكن أن يتكرر، وأن أشخاصاً مثل ترامب يمكن أن يحدثوا.
 
المشهد ينتشر ويترك ظلاله بأشكال مختلفة بعيداً عن العاصمة، متتبعاً مسارات حاملات الطائرات الأميركية وتحليق الـ"بي 52" وقواعد المارينز ورحلات الدبلوماسيين والأشخاص الذين أنجبتهم حقبة ترامب، في ظاهرة فوضوية من "الدبلوماسية الرثة".
 
دبلوماسيون أقرب الى "الدعاة" والمبشرين يشبهون على نحو واضح الأشخاص الذين تسلقوا شرفات الكابيتول والتقطوا صوراً في مكاتب المشرعين الأميركيين، ووضعوا أحذيتهم على الملفات والوثائق، وصعدوا بجلود الحيوانات المقتولة وقرون الثيران ووشومهم الغريبة على منصة البيت المقدس للديموقراطية الأميركية.
 
ولكن، وهذا ما يعنينا، في أمر الصراع مع إسرائيل، العاصمة الثانية لحقبة ترامب، والمرآة التي واصل التحديق فيها بكثير من الشغف، اتخذ المشهد شكلاً أقرب الى "حفل وداع متدحرج" يجري في الساعات الأخيرة لمخيم كشفي. سيكون هناك الكثير من العناق والامتنان في طريقة توزيع الهدايا وإغداق المشاعر على المشاركين والنجباء الذين أظهروا إخلاصاً وعزيمة في تنفيذ الأنشطة وتنظيم الألعاب، عقد الحبال وإشعال النار من الحجارة والتسلق ووضع الإشارات في الجولات الطويلة على جذوع الأشجار في الحرج، وإشعال الحرائق في المخيمات الأخرى وحفلات الصيد البشري.
 
تدفقت هدايا كثيرة على ترامب وفريقه، صحيح أنها هدايا رمزية ولا تعدو كونها أكثر من سلسلة من إطلاق الأسماء، غير مكلفة بالنسبة الى حكومة اليمين والمستوطنين في إسرائيل، الذين حصلوا على كل شيء تقريباً، إلا أنها تعبّر بقوة عن مدى الامتنان الذي تنظر اليه حكومة نتنياهو ومجلس المستوطنين وممثلو المستوطنات لتسونامي الخدمات الطوعية، الذي قدّمته هذه الإدارة لنتنياهو شخصياً وللعدوانية الإسرائيلية وحركات الاستيطان الفاشية في الأراضي الفلسطينية.
 
في احتفال رسمي مبكر، جرى إطلاق اسم دونالد ترامب على مستوطنة في هضبة الجولان السورية المحتلة، التي اعترف ترامب بضمها الى إسرائيل، برغم أنه احتاج الى درس تاريخي استغرق ساعتين ليقتنع بضمها الى إسرائيل، كما صرّح لاحقاً.
 
بومبيو وزير خارجيته أطلق اسمه على زجاجة نبيذ تنتجها مستوطنة بساغوت القائمة على أرض وكروم عائلات مدينة البيرة الفلسطينية، وقام في لحظة تأثر باجتياز أحد الخطوط الحمر في السياسة الأميركية عندما زار المستوطنة ورفع نخباً من النبيذ الذي يحمل اسمه، النبيذ الذي جرت مطاردته في المحاكم الكندية والفرنسية ووسمه بإشارة "صنع في الأراضي المحتلة"، هذا يعني في المستوطنات التي قامت على أراضي الفلاحين الفلسطينيين، في أميركا لا يضعون العلامة، سيحاول "نبيذ بساغوت" التسلل الى أوروبا، ولكن الاتحاد الأوروبي الملتزم عدم شرعية المستوطنات، سيلقي القبض عليه ويضع شارة "صنع في الأراضي المحتلة" وستحمل زجاجة النبيذ تلك، إضافة الى اسم يومبيو العلامة، وسيبدو ذلك أقرب الى وصمة تلاحق الوزير مع كل زجاجة.
 
جاريد كوشنر الذي قرأ 25 كتاباً عن الصراع الفلسطيني الصهيوني كانت كافية لكي يضع خطة للحل، الصهر الذي يتمتع بمعرفة ودوافع أعمق من حميه ومن بومبيو، أطلق اسمه على حديقة السفارة الأميركية التي نقلها والد زوجته الى القدس بناءً على استشارته وضغوط فريدمان.
 
ليس سوى الرواية الصهيونية في ملفات فريق ترامب وثقافته، وبناءً عليها يجري رسم الخرائط وتحديد الخطوط بحيث يبدو وجود الفلسطينيين العرب بين نهر الأردن والبحر المتوسط نوعاً عميقاً من التسامح، ويمكن تخيلهم وهم يتنقلون عبر الجسور والأنفاق محاطين بالجدار والحواجز في خريطة كوشنر - نتنياهو - فريدمان ككائنات متوحشة تعيش في محمية. 
 
عملية السلام التي قادها هذا الفريق مع الظهير الربعي ديفيد فريدمان السفير الأميركي في تل أبيب، ركزت على تجويف الصراع وتفريغه من جوهره الأخلاقي وقيمه الثقافية وتحويله مصدراً للمصالح الصغيرة والموقتة. 
 
هذا بالضبط ما حاولت الدبلوماسية الأميركية تحقيقه "هنا". تفكيك القيم الأخلاقية لكل شيء وبناء شبكة من المصالح الموقتة كبديل لتاريخ المنطقة وثقافتها، وتحطيم الحواضر العظيمة التي قاومت الغزاة على مدى التاريخ.
 
استعادة رواية المكان وثقافته وتاريخه الحقيقي، استعادة دور الحواضر وحمولاتها، القيم والأخلاق والنزاهة وتراكم الزمن وحكمته التي حاول ترامب وفريقه تبديدها، هذا ما يستدعي ورشة العمل التي تنهض الآن.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم