إعلان

ليلة بورقيبة الأخيرة في قرطاج

المصدر: النهار العربي
أحمد نظيف
أحمد نظيف
بورقيبة وبن علي
بورقيبة وبن علي
A+ A-
يوافق اليوم 7 تشرين الثاني (نوفمبر) ذكرى الإطاحة بالرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، بانقلاب عسكري نفذه رئيس وزرائه ووزير داخليته، الجنرال زين العابدين بن علي. ذلك أن هذا الحدث الفارق في تاريخ تونس المعاصرة، تحوّل بعد سنوات إلى عيد تقام فيه الاحتفالات، باعتباره يوم "تحّول مبارك" كما أرادت أن تكرس ذلك الأجهزة الإيديولوجية لدولة بن علي خلال ثلاثة وعشرين عاماً. لكنه في الوقت نفسه، وفي وجه آخر من وجوه تلك المأساة التي أنهت حكم الرجل الذي أسس الدولة الوطنية الحديثة، كما تسميها معاجم دولة الاستقلال، يشكل عبرةً لكل حاكم متشبث بالسلطة، تخونه الحصافة في تحديد موعد مغادرتها في الوقت المناسب. ذلك أن بورقيبة، بكل ما يشكله لدى التونسيين من اعتبار وقيمة، خانته حكمته في أن يغادر السلطة قبل ذلك التاريخ، حتى تحوّل في نهايات حكمه إلى مجرد ألعوبة في يد أجنحة الحزب والحكم المتصارعة من حوله.
 
مساء الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) 2011، قاد زين العابدين بن علي سيارته إلى مطار القاعدة العسكرية بالعوينة وامتطى طائرته نحو المجهول بعيداً من السلطة. بينما كان يضرب كفاً بكف. ألقى نظرة أخيرة على البلاد من قاعدة العوينة التي وصل من خلالها إلى الحُكم قبل 23 عاماً. مر شريط الذكريات سريعاً أمامه في صمت، لم يشقه سوى صوت الرصاص والصراخ. الرجل الذي لم يكلفه الوصول إلى السلطة رصاصة واحدة، كلفه الخروج منها كثيراً من الذخيرة والدماء. بين عامي 1987 و2011 جرت مياه غزيرة تحت الجسور وتدفقت على مهل حتى جرفت قائد الانقلاب الأبيض بعيداً نحو المنفى.
 
كان أكثر تماسكاً ورصانة في الليلة الفاصلة بين 6 و7 تشرين الثاني (نوفمبر) 1987. جمع قادة الدولة في صالة فسيحة داخل وزارة الداخلية لاجتماع امتد إلى ساعة متأخرة. كان يريد إبقاءهم تحت السيطرة لحظة التحرك الأخير. رفيقه الضابط الخطير في المخابرات، محمد شكري، وضع بعناية فائقة ودقة الخطة الأمنية لتحييد كل من يعتقد أنه يمكن أن يشكل خطراً على التحرك ونسّق عمليات المداهمة والاعتقال التي ستحل بالموازاة مع تسلم القصر الرئاسي. وصل الهادي البكوش، وزير الشؤون الاجتماعية والمدير السابق للحزب "الاشتراكي الدستوري" الحاكم آنذاك، باكراً في حدود الساعة العاشرة يحمل مسودة البيان الانقلابي وفي أعقابه دخل لفيف من الأطباء يسبقهم الوكيل العام للدولة، الهاشمي الزمّال، حاملاً لهم تسخيراً قضائياً كي يباشروا عملهم في إصدار شهادة طبية تثبت عجز الرئيس بدنياً وعقلياً عن أداء مهماته في قيادة البلاد. كان الرئيس عاجزاً فعلاً، ولم يكن الأمر يستحق تبريراً.
 
في إحدى قاعات قصر قرطاج كان الرئيس بورقيبة، صافي الذهن على غير عادته، يحدّث بنت أخته، سعيدة ساسي وطبيبه الخاص ومدير الديوان الرئاسي، عمر الشاذلي عن وقائع الحروب الصليبية، التي كان يُحب الحديث عنها واسترجاع أحداثها. كان الرجل مأخوذاً بتاريخ الملاحم والإمبراطوريات والملوك والزعماء، كان حالماً، وكانت تونس أصغر من طموحه، ضيقةً، شديدة الضيق لم تتسع يوماً لأحلام كل من حكمها من أباطرة العهود البائدة. مشيداً به كتب الجنرال ديغول في مذكراته: "بورقيبة يعرف كيف يكون دائماً على موعد مع التاريخ"، لكن هذه المعرفة خانته عندما احتاج لها لحسم قرار المغادرة فجاء الأبناء وقرروا قتل الأب وأخذ أمر ولايتهم بأيديهم.
 
كان طريق بن علي معبداً نحو السلطة. في يده أغلب السلطات. رئيساً للوزراء ووزيراً للداخلية ومديراً للأمن الوطني، إلى صفه قيادة الحرس الوطني، أقوى الأجهزة شبه العسكرية في البلاد وقيادات الجيش من رفاقه السابقين في الدراسة والعمل وكانوا مقربين من رفيقه الحبيب عمار. لم تبقَ في مواجهته إلا جيوب صغيرة من مراكز القوى داخل الحزب "الاشتراكي الدستوري" الهرم والذي امتلأ بالعناصر الانتهازية وفقد الكثير من شرعيته التحريرية ولم يعد يملك جهازاً تعبوياً يمكن أن يشكل خطراً على أي تحرك مناهض لبورقيبة. كان معسكر بورقيبة فقيراً خاوياً ومعسكر المطالبين بالتغيير مزدحماً. تحرك بن علي ليلة السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) في السنتمتر الأخير وفي اللحظة المناسبة. كانت الثمرة ناضجة.
 
قبل ذلك وفي اجتماع جرى ليلة 31 تشرين الأول (أكتوبر) 1987 عرض الهادي البكوش خطة تنظيمية لما بعد إزاحة بورقيبة تقوم على مجلس رئاسي يتكوّن من جنرالات الأركان يرأسه بن علي وحكومة يرأسها البكوش تقوم بتعديل قوانين الأحزاب والصحافة والانتخابات تبقى لمدة ستة أشهر ثم تنظم انتخابات عامة تشريعية ورئاسية. لكن مقترحه جوبه برفض قاطع من الحبيب عمار وبن علي. ويروي البكوش في مذكراته مفصلاً ذلك: "في أحد اجتماعاتنا في بيت بن علي نظرنا في من يتولى الحكم عند إبعاد الرئيس الحبيب بورقيبة فكان اقتراحي أن نبعث مجلساً عسكرياً يضم كل جنرالات الجيش يترأسه زين العابدين بن علي يباشر صلاحيات رئيس الدولة ويعين وزيراً أول يبادر إلى مراجعة قانون الأحزاب وقانون الانتخابات وقانون الصحافة وينظم انتخابات تشريعية عامة حرة ونزيهة في أجل لا يتجاوز ستة أشهر. عارض الحبيب عمار هذا الاقتراح بشدة وأيده بن علي الذي فهم أن هذا الاقتراح إن قبله لا يعطيه سلطة مطلقة لحكم تونس ويمكّن الوزير الأول من القيام بالدور الأول في النظام الجديد، لذلك رفضه. صدمني موقفه لأنه كان في تواضع يسرّ لي أنى في مباشرة المسؤوليات العامة أولى منه لتقدمي عليه في السن ولأقدميتي في العمل الوطني والسياسي. وبعد رفض هذا الاقتراح بقي لنا الرجوع إلى الدستور الذي ينص على أنه في حالة عجز أو موت رئيس الجمهورية يخلفه الوزير الأول. وفي اجتماع آخر في بيتي في أول تشرين الثاني (نوفمبر) 1987 قدم لنا بن علي خطته في إبعاد الرئيس الحبيب بورقيبة والتي تتمثل في عزل قصر قرطاج وقطع الخطوط الهاتفية عنه وتعويض حراسته بحراسة موالية. بعد ذلك يتم تفعيل الدستور وإعلان الفراغ في رئاسة الجمهورية وتولّي الوزير الأول الخلافة". واستقر الأمر أخيراً على العودة إلى الفصل 56 من الدستور الذي يخول الوزير الأول رئاسة الجمهورية في صورة عجز الرئيس عن تأدية مهماته، ويتم إثبات العجز بشهادة الأطباء.
 
بينما كان بن علي ومجموعته يدبرون أمر الانقلاب في الغرف الصغيرة، كانت مجموعة أخرى في غرفها الصغيرة تُدبر أمراً مشابهاً. وصل الجميع في ذلك الوقت -بخاصة بعد صائفة 1987 الساخنة- إلى قناعة بأن بورقيبة لم يعد يصلح للحكم، لكن دوائر السلطة كلها كانت تعوّل على الزمن وعوامل الهرم والمرض التي أصابت الرجل كي يصعد أحد منها إلى الرئاسية من طريق الخلافة. كانت كل مراكز القوى تخشى التغيير الجذري وتحبذ تغيراً يضمن مصالحها ومصالح الطبقات والفئات المرتبطة بها. الرجل الأول المعني بالخلافة يومها، كان الجنرال بن علي. والقوة الوحيدة القادرة على القيام بتغيير جذري، يمكن أن يقلب الدولة رأساً على عقب، هي الحركة الإسلامية، في ظل تشتت وضعف القاعدة الجماهيرية لليسار الثوري والطروحات الإصلاحية للحركة الديموقراطية الناشئة. بموازاة تحرك بن علي بدأت حركة "الاتجاه الإسلامي" ("النهضة" حالياً) تتحرك نحو السلطة من خلال "مجموعة من الضباط والجنود داخل الجيش والشرطة والحرس"، سيطلق عليها لاحقاً اسم "المجموعة الأمنية" أي من خلال انقلاب عسكري. كانت التحركات غامضة والمشهد غائم.
 
منذ ذلك التاريخ دخلت البلاد لعبة صراع الدولة والإسلاميين، ذلك أن تاريخ تونس المعاصر، هو تاريخ هذه الدولة الراسخة في قوتها وسيطرتها وقمعها من جهة و"الحركة الإسلامية" المتوثبة للسيطرة هي الأخرى والقمع، من جهة أخرى، فيما يتوارى حلم الدولة الديموقراطية الاجتماعية بعيداً. دفع الجميع ثمن الصراع باهظاً. الإسلاميون دفعوا بالحاضر. فقد فقدت سمكة "الحركة" ماءها، وتشتت أنصارها ووسطها الاجتماعي، بين سجين وملاحق. أما بن علي فقد دفع مؤجلاً. وكان الشعب أكبر الخاسرين. كان خريف 1987، خريف الفرص الضائعة. ويبدو أننا نعيد نسج أكفان الماضي في حاضر يكلله الغبش.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم