إعلان

مصر: الخطاب الديني وقضية الوعي

المصدر: النهار العربي
محمد صلاح
محمد صلاح
السيسي وشيخ الأزهر
السيسي وشيخ الأزهر
A+ A-
عاد الحديث مجدداً في مصر عن مسألة تجديد الخطاب الديني على خلفية كلام الرئيس عبدالفتاح السيسي أكد فيه أن "قضية الوعي بمفهومها الشامل هي القضية الأهم في مصر، خصوصاً الوعي بالدين"، مضيفاً أن هناك ضرورة "لإعادة صياغة فهم المعتقد الديني". صحيح أن تنظيم "الإخوان" الإرهابي ومنصاته الإعلامية سعت، كعادتها، الى الترويج لتفسيرات غير تلك التي قصدها الرئيس عبدالفتاح السيسي غير أن الفشل "الإخواني" المتكرر ظل يلاحق التنظيم، ولم تسفر الحملة عن نتائج تصب لمصلحة جماعة تأكد أن الحكم في مصر لا ينوي في أي مرحلة مقبلة القبول بعودتها الى واجهة الأحداث تحت أي مسمى.
 
فالجماعة هي مجرد تنظيم إرهابي مارس العنف والقتل ضد أبناء الشعب المصري بقطاعاته المختلفة، وحال الغضب بين المصريين تجاه "الإخوان" لا يمكن تجاوزها أو التغافل عنها، وعلى ذلك فإن المواجهة ضد التنظيم الإرهابي ستتواصل تماماً كما الحال بالنسبة الى تنظيمات أخرى كـ"داعش" او "الجهاد" أو "القاعدة" وستنتهي أو تختفي جماعة الإخوان من مصر بمرور السنوات، وليس من المستبعد أن تظهر جماعات أخرى تحاول ادّعاء شرعية الإخوان أو تصوير نفسها كامتداد لفكر وخطاب تلك الجماعة، وقد تظهر جماعات متأسلمة جديدة تعيد صياغة أفكار خلط الدين بالسياسة وتوظيف الدين في السياسة، لكن أياً كانت سيناريوات المستقبل التي ستتحقق فإن كل المؤشرات تؤكد أن الدولة عازمة على مواجهة الأفكار المتطرفة والجماعات المتأسلمة تحقيقاً للقناعة الراسخة لدى الحكم وكذلك غالبية الشعب المصري أن لا مكان للدين في السياسة.
 
عموماً لم يتوقف الحديث عن مسألة تجديد الخطابات الدينية، لكن كلام السيسي أعاد القضية مجدداً الى الواجهة، وتحتاج مصر إلى إصدار مزيد من التشريعات والقوانين التي تحدد آليات الرقابة، وتنفيذ القانون لضمان عدم استخدام الدين في المجال العام للحؤول دون تكرار الكوارث السابقة، إضافة الى منع محاولات الالتفاف على الدستور ومواد القانون، ومنع استغلال دور العبادة في الدعاية السياسية و"الحشد"، أو رفع شعارات دينية في الحملات الانتخابية.
 
أما أي نموذج سوف تتبعه مصر للتعاطي مع ظاهرة التأسلم والتعامل مع بقايا "الإخوان" وذيول الجماعة، فالبديهي أن مصر لن تكرر تجربة جرت أو طُبقت في بلد آخر، فلكل بلد خصوصيته ولمصر تجربة تاريخية وثقافية. صحيح أنه لا يمكن بأي حال فصل الدين – الإسلام والمسيحية - عن السياسة أو اختزال الدين عن المجال العام، لكن لا بد من تحديد ملامح وحدود هذا الحضور، وأشكاله وآليات تأثيره في المجتمع وفي السياسة وبما لا يتعارض مع مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، والممارسة الديموقراطية في عصر العولمة، ما يعني ضرورة مراعاة عدم تدخل الدين في تنظيم الحياة الخاصة للمواطنين، والتي تتعلق بأسلوب حياته ومعتقداته وتعليمه ومظهره، طالما لم يؤثر ذلك في حياة الآخر وإقرار حق توجيه النقد للجمعيات أو الاحزاب السياسية التي قد تدّعي أن مرجعيتها هي الإسلام او الثقافة الإسلامية، بحيث لا يصبح الاختلاف معها يمثل تعارضاً مع الإسلام، والا لماذا توجد خلافات كثيرة بين السلفيين و"الإخوان"، وكل منهما يدّعي أن مرجعيته هي الشريعة الإسلامية.
 
والمؤكد أن إعلان السلفيين مثلاً التزامهم بالمرجعية الإسلامية ليس كافياً لتوضيح نظرتهما للعلاقة بين الدين والسياسة في مجتمع متسامح ومتعدد كمصر، لا بد من توضيح طبيعة وحدود هذه المرجعية وكيفية استنزالها على أرض الواقع إزاء قضايا الواقع المتغير.
 
وفي السياق يمكن القول إن دستور 2014 وقانون الأحزاب وغيره من مواد القانون تؤكد مدنية الدولة وتحول دون الخلط بين العمل الدعوي والسياسي كما تحول دون تأسيس أحزاب على أساس ديني، لكن الأهم هو تفيعل مواد الدستور والقانون، بالتوازي مع حركة تجديد للخطاب الإسلامي وللثقافة الإسلامية، بهدف ترسيخ قيم التنوع والتعدد واحترام الآخر، وأعمال العقل وعدم الاكتفاء بمجرد النقل الميكانيكي لشروح وتفسيرات لفقهاء عظماء في عصرهم، اجتهدوا وافتوا في ظروف عصرهم، وفي مراحل تاريخية يفصلنا عنهم مئات السنين، وآلاف الاختراعات والاكتشافات والتطبيقات التكنولوجية في كل مجالات الحياة.
 
القضية تحتاج الى حوار مجتمعي بين أطراف لديها الإرادة والرغبة في تجاوز المجتمع المصري... هكذا أزمات ومشاكل تستنزف المجتمع أو تهدد تماسكه وتتغافل عن استيعاب ما مر به العالم من أحداث في السنوات الماضية والخروج بنتائج تستوعب حقائق ومتغيرات القرن الحادي والعشرين.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم