إعلان

فيينا تفرض توازناً جديداً في العراق؟

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
مصطفى الكاظمي
مصطفى الكاظمي
A+ A-
رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في موقف لا يُحسد عليه. عندما جيء به من رئاسة جهاز الاستخبارات إلى رئاسة الوزراء، قبل أكثر من عام عقب الاحتجاجات الشعبية ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد، قيل يومذاك، إن مجيئه كان حاصل تسوية أميركية - إيرانية، وإن كلاً من واشنطن وطهران ستقدمان له كل دعم ممكن للقيام بواجباته على أكمل وجه.
 
لكن واقع الأمور على الأرض يفيد عكس ذلك. ولا يبدو أن أي شخصية عراقية أخرى، سيكون في مقدورها تحمل مضاعفات الصراع الأميركي - الإيراني على العراق. هنا، يكمن لبّ المشكلة. ولن يكون في إمكان الكاظمي، أو غيره من القيادات العراقية، أن يرضي واشنطن وطهران في وقت واحد.
 
ما تريده إيران من الكاظمي هو أن يدفع نحو تسريع رحيل القوات الأميركية من العراق، لا أن يستبدل بهذه الأخيرة قوات أطلسية. وتريد أيضاً أن يعزز الكاظمي مقاتلي الحشد الشعبي على حساب الجيش العراقي الذي يتلقى تدريباً غربياً. وأصلاً القوات الأطلسية في العراق لن تلقى على عاتقها مهمات قتالية، بل مهمات تدريبية بحتة، بموجب اتفاق مع الحكومة العراقية، وهذا ما تتوجس منه طهران ويشكل لها عامل قلق، لأنها باختصار لا تريد أن يقوم في العراق جيش نظامي أقوى من الحشد الشعبي الذي تدرّبه وتسلّحه هي، ويبقى على بغداد أن تدفع رواتبه فقط. وبكلام آخر، تحاول طهران أن تستنسخ في العراق، تجربة الحرس الثوري والجيش في إيران، بحيث إن إمكانات الحرس أقوى بكثير من مقدرات الجيش النظامي.
 
وليس خافياً أن إيران تطمح إلى جعل العراق دولة تسبح في الفلك الإيراني، وأن تشكل منفذاً اقتصادياً لها ولمنتجاتها، على قدر ما تملك فيه من نفوذ عسكري وسياسي.
 
في المقابل، ترى واشنطن في الحشد الشعبي تهديداً لمصالحها في العراق، ولذلك تراهن على تقوية الجيش العراقي وقوات النخبة فيه، لإقامة نوع من التوازن مع الحشد. وتدعم الولايات المتحدة الاحتجاجات التي تخرج منددة بالفساد وتطالب بكبح جماح النفوذ الإيراني، كما تشجع أميركا الدول العربية، لا سيما الخليجية منها، على العودة إلى العراق كي تقيم توازناً مع النفوذ الإيراني.
 
وحاول الكاظمي فعلاً أن يلعب دور المهدّئ بين السعودية وإيران، لا سيما بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض قبل ستة أشهر، وبدء جولات التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران في نيسان (أبريل)، في سبيل العودة إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحب منه الرئيس السابق دونالد ترامب عام 2018، وشرع في تطبيق حملة "الضغوط القصوى" على إيران.  
 
وعوض أن يشكل التبدل في نهج أميركا في ظل رئاسة بايدن، تنفيساً للاحتقان في الداخل العراقي، فإنه للأسف، لا يزال العراق ساحة لتبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، على رغم مفاوضات فيينا وتحقيقها تقدماً نحو إحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات الأميركية التي فرضها ترامب على طهران.
 
وهذا ما يجد تعبيراته في ملاحقة، وحتى اغتيال، ناشطين عراقيين شاركوا في التظاهرات ضد الطبقة السياسية العراقية وضد الفساد وضد تنامي النفوذ الإيراني في العراق. كما استمر بين الحين والآخر، إطلاق الصواريخ على القواعد التي ينتشر فيها جنود أميركيون.
كل ذلك، شكل حرجاً كبيراً للكاظمي الذي بدا وكأنه عاجز عن فرض هيبة الدولة وجلب المسؤولين عن الاغتيالات إلى أمام العدالة ومحاسبتهم، أو غير قادر على ممارسة نفوذ على الفصائل العراقية، التي تطلق الصواريخ على المنطقة الخضراء أو على القواعد.  
 
وتحت ضغط الحراك، أقدمت قوى الأمن على اعتقال القيادي في الحشد قاسم مصلح قبل أيام، فرد الحشد بعرض عسكري نحو المنطقة الخضراء، ما دفع بالكاظمي إلى الدفع بتعزيزات من الجيش إلى المنطقة التي بدت قاب قوسين أو أدنى من اندلاع مواجهة ساخنة بين الطرفين. كما بدأت أصوات تعلو داخل العراق من الأحزاب الموالية لإيران والداعمة للحشد، بضرورة سحب الثقة من الكاظمي في مجلس النواب.  
في ظل هذه الأجواء المتوترة، بدأ الحديث عن إرجاء الانتخابات النيابية المقررة في الخريف المقبل. ومعلوم أن الانتخابات المبكرة، كانت من أهم المطالب التي رفعها الحراك العراقي في ما اصطلح على تسميته بـ"ثورة تشرين/ أكتوبر" عام 2019.  
هل يقف العراق على عتبة خلط جديد للأوراق في ضوء ما ستتمخض عنه طاولات التفاوض في فيينا والمعادلات الجديدة في توازن القوى؟  
لا تبدو الإجابة في المتناول.


 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم