إعلان

عقلية يعقوب... بين لبنان وفلسطين

المصدر: النهار العربي
د.مكرم رباح
د.مكرم رباح
يعقوب
يعقوب
A+ A-
- "يعقوب، أنت تعلم أن هذا ليس منزلك"
 - "نعم، ولكنكِ تعلمين أنه حتى ولو خرجتِ منه فأنت لن تعودي إليه"... "إن لم أسرقه أنا سيسرقه شخص آخر".
 
هذا الحديث الصاعق، الذي جرى بين مالكة بيت في حي الشيخ جراح في مدينة القدس ومستوطن إسرائيلي حاول احتلال منزلها، أعاد تذكير العالم، خلال ثلاثين ثانية فقط، بلبّ الصراع الفلسطيني من أجل استعادة الأرض في وجه ثقافة صهيونية عنصرية ودينية تَعتبر القوة والجبروت كافيين لتزوير التاريخ وطرد شعب من أرضه.
 
ثلاثون ثانية فقط من وقاحة يعقوب أعادت إلى الذاكرة أن النزاع على فلسطين ليس مسألة عقارية أو اختلافاً في وجهات النظر، بل هو قضية إنسانية تخاطب وجدان كل إنسان من دون أن تتعلق بالقومية الفلسطينية أو حتى العربية فقط، وأن فساد الطبقة السياسية الفلسطينية وأخطاءها المتعددة لا تلغي المطالب المحقة لشعب فلسطين الذي يقبع تحت الاحتلال أو في الشتات.
 
المنطق الذي استخدمه المستوطن في تبرير جريمته المستمرة شبيه إلى حد كبير، إن لم يكن مطابقاً، بمنطق الطبقة اللبنانية الحاكمة بكامل أطيافها. هذه الطبقة التي لا تتردد أبداً في استخدام منطق يعقوب لتبرير استمرار نهجها الفاسد خلف شعارات طنانة كبرى هي في نهاية المطاف شماعة لسطوها على البلاد والعباد. الزعماء الفاسدون، كما يعقوب، والمعروفون بالاسم سواء بين صفوف قواعدهم أم خصومهم، يبررون فسادهم وخطابهم المقيت ويروجون للنظام السياسي اللبناني العنصري الذي ورثوه عن أجدادهم، بل ويستمرون في إنعاشه في ظل قيام "الآخر" بالسرقة والمحاصصة.
 
عقلية يعقوب لا تقتصر على السياسيين التقليديين بل تمتدّ أيضاً إلى أولئك "الملائكة" والمجاهدين من تجار المقاومة الذين يدّعون العداء لما يمثله يعقوب من تجربة سياسية دينية عنصرية، بينما عقليتهم مطابقة للحركات التبشيرية الاستيطانية المستوردة من الخارج والتي باسم حماية المقامات المقدسة حمت نظام بشار الأسد وبراميله المتفجرة التي قتلت وشردت واحتلت مدناً و قرى تتجاوز مساحتها كثيراً حي الشيخ جراح.
 
المستوطن يعقوب دافع عن نفسه بوجه جارته الغاضبة بقوله: "لمَ أنتِ غاضبة، أنا لم أفعل ذلك" أي أنه غير مسؤول عن هذا الوضع. ويعقوب بنسخته اللبنانية المحوّرة ينتهج المقاربة نفسها ويرفض تحمّل مسؤولية جرائمه أو حتى الاعتراف بأنه مشارك في الجريمة عبر صمته وتبرير إجرام أقرانه.
 
التصدي ليعقوب بنسختيه "الاستيطانية" و"المهدوية" يبدأ بمعرفة خطره الحقيقي ورفض التطبيع مع عقليته وعدم السماح بأن يصبح مثل هذا النهج ثقافة سائدة في مجتمعاتنا كما هو الحال في لبنان الذي يقبع تحت احتلال الفساد المتحالف مع سلاح إيران والذي أصبح مستوطنة تضم الملايين من "اليعاقبة" بقبعات وظفائر مختلفة. 
 
الدفاع عن حق سكان الشيخ جراح أو خان شيخون أو القصير أو ضحايا انفجار مرفأ بيروت ليس قضية سياسية، بل قضية أخلاقية على غرار مطلب تحرير فلسطين. وبدل أن يتبنى مثقفو البراميل المتفجرة و"الأخ الأكبر" هذه القضية، هم يتمسكون بالخطابات الشعبوية المعادية للسامية ورمي اليهود في البحر، في حين يرمون جثث مواطنيهم الذين رضخوا للأمر الواقع وصدقوا أن جلاديهم هم ضحايا.
 
فمن شاء أن يتضامن مع سكان الشيخ جراح، عليه أن يتضامن أيضاً مع كل الشعوب المظلومة ويطالب بإنهاء الفساد والاستهتار الذي لا يقل اجراماً وبطشاً عن صهيونية يعقوب أو بدع الحركات الشعوبية المتفشية في شرقنا أو الفساد الذي قد يكون التخلص منه أكثر صعوبة من هزيمة الصهيونية بكل وجوهها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم