إعلان

الصورة في الشيخ جراح

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
فلسطينية تمرّ  بمنزل عليه علم إسرائيل في حي الشيخ جراح في القدس. أف ب
فلسطينية تمرّ بمنزل عليه علم إسرائيل في حي الشيخ جراح في القدس. أف ب
A+ A-
تقول المرأة الفلسطينية للمستوطن في حي "الشيخ جرّاح": أنت تسرق بيتي
يجيبها المستوطن الذي يسرق بيتها بالفعل: إذا لم أسرقه أنا سيسرقه غيري.

يقف خلف المستوطن، الذي يبدو نموذجياً هنا، حكومة اليمين في إسرائيل وأعضاء كنيست يجري تجديد انتخابهم كل مرة، وبنيامين نتنياهو وعائلته، وأفكار والده المؤرخ الصهيوني المتعصب، وقضاة المحكمة العليا في إسرائيل كهنة "قانون يهودية الدولة"، وشبكة من المنظمات والأحزاب الاستيطانية ومجاميع من الفاشيين والعنصريين وكارهي العرب، وخلف الجميع تقف صناديق جمع الأموال وجيش من الممولين أفراداً ومؤسسات، وهو ما أثارته مؤخراً الحاخامة اليهودية الأميركية "جيل جاكسون" في مقال نشرته في صحيفة "هآرتس" عندما وثقت قائمة طويلة من هؤلاء الممولين والأموال القادمة من مؤسسات وجمعيات يهودية رئيسية في أميركا، وتوجيه هذا الدعم الى "الصندوق المركزي الإسرائيلي"، المؤسسة الأميركية الأكثر دعماً للمنظمات الاستيطانية المتطرفة في اسرائيل، قدم الصندوق، حسب جاكسون، خلال 2020 وحدها 40 مليون دولار على شكل منح لهذه المنظمات. معتبرة أن وقف هذا التمويل هو واجب أخلاقي.

في نواة الفوضى التي يديرها الاحتلال منذ سقوط القدس في حزيران (يونيو) 1967، يقع حي "الشيخ جراح"، وللدقة بقدر ما تبدو المواجهة بين الشابة الفلسطينية منى الكرد وبين المستوطن الذي منحته المحكمة الاسرائيلية حق السكن في بيت أسرتها منذ 12 عاماً، تكثيفاً غير مقصود للصراع المتواصل في فلسطين منذ نهايات القرن التاسع عشر، بقدر ما تتكشف عزلة الفلسطينيين في مواجهة الجيش والشرطة ورعاية القضاء الإسرائيلي، القضاء المعني بتنفيذ القوانين العنصرية.

بقدر ما بدا ذلك الحوار الغريب بسيطاً إلا أنه اختصر المواجهة في فلسطين وفي القدس على وجه الخصوص، ورغم أنه، الحوار، قد استخدم في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وخطابات السياسيين من دون رأفة، الا أنه احتفظ بقوته وبلاغته ونجا، رغم كل شيء، من الابتذال، لعل من أسباب ذلك أنه جاء في سياق مواجهة قائمة ومتواصلة ومختلة الموازين، وأنه خرج من المعاناة نفسها والمكان نفسه ومن الأشخاص المعنيين أنفسهم، وأنه جاء من الراهن المعاش وليس من التاريخ حيث تصل الأشياء محملة ببلاغة ليست لها.

هناك صور كثيرة تصل كل ليلة من الحي، اعتقالات وقنابل صوتية ورصاص مطاطي وعنف مفرط، منها صورة أخرى لسيدة من الحي يحيط بها في نصف حلقة مجموعة من المعاتيه، كما توضح الصورة، وهم يصرخون ويصفقون في وجه المرأة، ليس ثمة حوار في الصورة ولكن يمكن سماع صراخ المستوطنين الذي يتدفق من حوافها ويبقع الكيبورد والهاتف والملابس.

منذ سنوات الانتداب البريطاني تتسرب البيوت والتلال والكروم من دون توقف وتسقط في شبكة الاستيطان، عبر صفقات مشبوهة ووكالات مزورة، عبر حيل بلدية الاحتلال ومشاريعها القائمة على استراتيجيات المصادرة والهدم والتهجير والابعاد، المصادرات التي وصلت الى نبش المقابر، عبر تحطيم النظام التعليمي والصحي، عبر منع تراخيص البناء واستنزاف كل شيء بالضرائب، البيوت والتجارة والمؤسسات الثقافية التي أغلقت وهاجر بعضها الى رام الله، وإغراق حياة الناس بالملاحقات الأمنية والضريبية، عبر الضغط المتواصل على الطبقة الوسطى ودفعها خارج المدينة، وعبر صفقات غريبة كتلك التي عقدها البطريرك اليوناني "ثيوفيلوس" وقبله "ايرونيوس" والتي بموجبها سرب جزءاً من أملاك الكنيسة الأرثوذكسية للمنظمات الاستيطانية مثل "عطيرت كوهنيم". "ثيوفيلوس" الذي واجهته "رعيته" وتظاهرت ضد وجوده، وطالبت بعزله ومحاسبته واعادته الى اليونان، ورفضت استقباله في المناسبات الدينية وعززت الحملة المطالبة بتعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين. المواجهة في القدس لم تتوقف يوماً وهي تشمل كل شيء.
 
مواجهة تكشف في كل مرة تتصاعد فيها عجز السلطة في رام الله وركاكة البلاغة الفصائلية بأنواعها، والافتقار المزمن لبرامج قادرة على اسناد حياة الناس. وهي مهمة تبذل مؤسسات المجتمع المدني الكثير من الجهد، رغم قلة الإمكانيات، للمساهمة في اسنادها، مبادرات شعبية لا علاقة لها بالمقاطعة في رام الله أو مكاتب الفصائل وبرامجها.
 
نجح الاحتلال عبر استثمار حالة الانقسام والترهل الفلسطينية من تفكيك فكرة المقاومة وعزلها، ما يحدث في غزة ومعها يبقى محصوراً في غزة، وما يحدث في الضفة يبقى في الضفة كذلك في القدس، ليس ثمة برنامج لكسر هذه الحلقات المنفصلة، برنامج يجعل من الحدث في الشيخ جراح حدثاً على مستوى فلسطين، ويوسع مجال المواجهة بحيث يتجاوز بيوت "كرم الجاعوني"، من دون كسر الحلقات الثلاث سيبقى الأمر مرهوناً بتضحيات الناس وشجاعتهم ومبادراتهم الفردية، وليس في التداعي الفصائلي على انشاء "قيادة للمقاومة الشعبية"، المقصود هنا الأداء الباهت للمستوى السياسي وليس حركة الناس التي لم تتوقف وتواصل ابتكاراتها.  
 
الملف الذي فتحته مواجهة عائلات كرم الجاعوني في الشيخ جراح يسرد من جديد مأساة هذه العائلات، سرد يروي مصائر اللاجئين الفلسطينيين، وعزلتهم التي تفاقمت في منافيهم، ويوضح من دون هوامش العجز الذي فاقمته النخبة السياسية في فلسطين، بحيث تبدو القدس التي يجري حولها الخطاب السياسي الفلسطيني، قدساً أخرى بلاغية مجردة في قدسيتها وفارغة من السكان، القدس التي تم تأجيل الانتخابات الفلسطينية بانتظار موافقة الحكومة الإسرائيلية على إجرائها فيها، الحكومة التي يقودها اليمين المتطرف، اليمين الذي تقوده حركة الاستيطان وتهجير الفلسطينيين، الاستيطان الذي يمثله المستوطن سارق بيت منى الكرد في كرم الجاعوني في الشيخ جراح. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم