إعلان

على الأقل في الوقت الراهن... حتى لا ينام المغرب في العسل!

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
أنتوني بلينكن وناصر بوريطة
أنتوني بلينكن وناصر بوريطة
A+ A-
كان لا بد من انتظار ما كشفه موقع "أكسيوس" للتعرف إلى الجوانب الخفية للمكالمة التي أجراها وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن قبل أسبوع، فبلاغا كل من الخارجية المغربية والأميركية لم يقدما ما يروي عطش المهتمين، خصوصاً في الجانب المتعلق بالاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء، ذلك أن تلك المكالمة تعد الاتصال المباشر الأول بين وزيري خارجية البلدين، لذلك كان من الطبيعي أن ينصب اهتمام المتتبعين على تلك النقطة...، فراغ وغموض بلاغي الخارجيتين، سيملأه ما نشره موقع "أكسيوس" نقلاً عن مصادر في الخارجية الأميركية أهم ما جاء فيه هو تأكيد بلينكن لوزير الخارجية المغربي أن الإدارة الديموقراطية لن تتراجع عن اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، على الأقل في الوقت الراهن at least for the time being، هذه العبارة أثارت كثيراً من الشك حول ثبات الموقف الأميركي مع الإدارة الديموقراطية من قضية الصحراء المغربية. 

الإدارة الأميركية وبعد أربعة أيام كاملة عن المكالمة بين وزيري الخارجية، بادرت إلى إصدار تأكيد صدر عن المتحدث باسم الخارجية الأميركية نشره موقع "الحرة" الأميركي، مفاده أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، لم تتخذ قراراً بشأن اعتراف الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بالسيادة المغربية على الصحراء، وفي ذات السياق قال متحدث، فضل عدم ذكر اسمه، لـ"الحرة": "لم يتم اتخاذ مثل هذا القرار. نجري مشاورات بشكل خاص مع الأطراف حول أفضل طريقة للمضي قدماً وليس لدينا أي شيء إضافي لنعلنه"، هذه التوضيحات إن صح تسميها بذلك، أضافت جرعة من الغموض للجملة التي استعملها موقع "اكسيوس" أي على الأقل في الوقت الراهن...

قبل محاولة تفسير هذه العبارة ووضع الاحتمالات الممكنة لما تقصده حقيقة الإدارة الأميركية، لا بد من التذكير ببعض المؤشرات التي توضح طبيعة تعاطي الإدارة الأميركية الجديدة مع قضية الصحراء المغربية وفي صلبها الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء:

أولاً: الإدارة الأميركية الجديدة ومنذ أداء بايدن اليمين الدستورية راجعت تقريباً كل القرارات التي اتخذها الرئيس السابق دونالد ترامب، وأغلبها كان بايدن قد أعلن بوضوح في حملته الانتخابية أنه سيلغيها أو سيراجعها، وقد مثل اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء المغربية وموضوع بيع أسلحة نوعية للمغرب منها مقاتلات "F-35" وطائرات الدرون المتطورة، استثناء من ضمن المراجعات التي وعد بها بايدن، وقد مثل المغرب حالة خاصة حتى إذا ما قورن بدول خليجية لها علاقات تقليدية بواشنطن. 

ثانياً: جواب الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية نيد برايس في ندوة صحافية عن سؤال يتعلق بموقف الإدارة الديموقراطية الجديدة من قضية الصحراء، حيث أكد برايس بوضوح أن الموقف الذي أعلن على نطاق واسع، أي قرار الاعتراف بمغربية الصحراء، ما زال ساري المفعول، مشدداً على أن الولايات المتحدة الأميركية ستستمر في دعمها للمسلسل الأممي من أجل حل عادل ونهائي لهذا النزاع في المغرب...، أي أن الصحراء أرض مغربية والنزاع هو داخل الأراضي المغربية، وأضاف أيضاً في تبنٍّ واضح لوجهة النظر المغربية، أن بلاده تدعم بعثة الأمم المتحدة (المينورسو)  للإشراف على وقف إطلاق النار والحيلولة دون العنف في المنطقة، وكما يعلم الجميع فـ"جبهة البوليساريو" قررت من جانب واحد فك التزامها بوقف إطلاق النار والعودة إلى الحرب منذ نهاية سنة 2020. 

ثالثاً: إلتزام إدارة بايدن بقرار الاعتراف يجسد بشكل واضح أيضاً من خلال تقرير وزارة الخارجية الأميركية عن وضعية حقوق الإنسان في العالم، إذ أدرجت الخارجية الأميركية وللمرة الأولى، ملاحظاتها المتعلقة بوضعية حقوق الإنسان في الصحراء ضمن الجزء الخاص بالمغرب، بعد أن كان واضعو التقرير يخصصون للمنطقة حيزاً في التقرير تحت مسمى وضعية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

رابعاً: شكل انعقاد الاجتماع نصف السنوي لمجلس الأمن قبل أيام فرصة تجدد فيها الموقف الأميركي الداعم للمغرب بخاصة في عدم تبني الرواية الجزائرية ومن ورائها "البوليساريو" التي تقوم على عودة الحرب وضرورة تفعيل مخطط التسوية الذي تجاوزه مجلس الأمن منذ 2007 تاريخ تقديم المقترح المغربي للحكم الذاتي، وهو ما أثار حفيظة روسيا ومعها عدد من الدول التي ما زالت واقعة تحت تأثير السردية الجزائرية أو على الأصح تُفاوِضُ المغرب بطريقة غير مباشرة لمراجعة مواقفها، وذلك من خلال حماية مصالحها الاقتصادية والبحث عن شراكات مربحة. 

بعد سرد كل هذه المؤشرات ما هي التأويلات المنطقية والمقبولة لعبارة "على الأقل في الوقت الراهن"؟ 

الاحتمال الأول: هو أن إدارة بايدن، وعلى عادة الديموقراطيين في علاقتهم بالمغرب، تريد مقابلاً لهذا الاعتراف من غير عودة العلاقات مع إسرائيل، وقد يرتبط الأمر بملفات سياسية تتعلق بالوضع الداخلي والوضع الإقليمي والجهوي، وأخرى تتعلق بحقوق الإنسان، في هذه الحالة ستكون الرباط هي من يكتب الفصل الجديد للاعتراف الأميركي، سواء بالتجاوب مع مطالب الديموقراطيين أو بالضغط عليهم من الداخل، وفي هذا الإطار يمكن وضع اللقاء الذي يفترض أن يكون جمع أمس ناصر بوريطة مع اللجنة الأميركية للشؤون العامة الإسرائيلية "آيباك"، التي تشكل أهم جماعة ضغط في الولايات المتحدة الأميركية على الإطلاق. 

الاحتمال الثاني: يفترض أن يكون عدم الكشف عن موضوع الاعتراف الأميركي بسيادة المغرب على الصحراء كما جاء في محادثة وزيري الخارجية، كان يهدف إلى ترك مساحة لواشنطن باعتبارها ماسكة بالملف وحاملة القلم في مجلس الأمن، بما يعزز قدرتها على الضغط على مختلف الأطراف، فالإدارة الأميركية الجديدة وجدت نفسها مقيدة باعتراف ترامب بمغربية الصحراء وهي في بداية ولايتها، علماً أن الإدارة الديموقراطية خبرت هذا الموضوع منذ سنوات ولها فيه وجهة نظر، قد لا تختلف عن الإدارة الجمهورية، لكنها ذات خصوصية لا بد لها من وقت حتى تتم مراجعتها بما يحقق مصالح أميركا من وجهة نظر الديموقراطيين. 

الاحتمال الثالث: ببساطة هو أن الإدارة الديموقراطية لن تراجع موقف الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء وخاصة في الوقت الراهن، بمعنى أن الإدارة الأميركية تجزم بأنه ليس هناك ما يدعوها لمراجعة هذا الاعتراف حالياً، وقد يكون التعبير مقصوداً حتى لا ينام المغرب في العسل، فالأمر في النهاية لعبة مصالح وليس قضية مبدئية كما ينظر إلى ذلك المغاربة، وهذا الأمر ليس حكراً على الأميركيين فقط بل أيضاً على باقي الأطراف.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم