إعلان

أطباء تونس وموسم الهجرة إلى الشّمال

المصدر: النهار العربي
أسامة رمضاني  
جانب من كوادر تونس الطبية
جانب من كوادر تونس الطبية
A+ A-
 شهدت الرحلات الجوية المتجهة من العاصمة التونسية إلى باريس ارتفاعاً في الطلب على الحجوزات من فئة محددة من المسافرين: الأطباء التونسيون بكل تخصصاتهم ومستوياتهم المهنية، في موسم هجرة السنوية نحو شمال المتوسط، وإلى فرنسا على وجه التحديد.

ومثل كل السنوات الماضية، لم يكن الأمر محصوراً في الطلبة الحديثي التخرج، وممن أنهوا فترات تدريبهم. فخلال السنوات المنقضية، شملت الهجرة الأطباء المبتدئين، وكذلك رؤساء الأقسام والاختصاصيين من أصحاب الخبرة في المستشفيات العمومية والمصحات الخاصة، إلى حد أنه كان من بينهم في إحدى المرات أحد وزراء الصحة السابقين (وهو أيضاً رئيس قسم في أحد المستشفيات الحكومية)، الذي حزم حقائبه ورحل إلى فرنسا. 

إنه الموعد السنوي الذي يتوجه فيه الأطباء التونسيون، بخاصة منهم الشبان، بكل الاختصاصات، بما فيها الطب النفسي، إلى فرنسا لإجراء اختبار معادلة شهاداتهم بالشهادات الفرنسية، بما يؤهلهم لاحقاً للعمل في فرنسا. 

ونسبة النجاح في هذه المناظرة مرتفعة نسبياً. ويتم عادة قبول النسبة الأكبر من المترشحين التونسيين نظراً الى تقارب المناهج التدريسية وإتقان الأطباء التونسيين اللغة الفرنسية. وبلغ عدد الأطباء التونسيين الذين نجحوا في مناظرة المعادلة الفرنسية السنة الماضية وحدها المئات، من مختلف الاختصاصات، من بينهم العشرات من المختصين في التخدير والإنعاش والطب الاستعجالي والتصوير بالأشعة، وهي بالذات الاختصاصات نفسها التي اتضحت الحاجة إليها وتجلى النقص فيها منذ تفشت جائحة كورونا في تونس. 

ويفسر الأطباء المغادرون من المؤسسات الاستشفائية الحكومية سعيهم إلى الاستقرار في فرنسا بأسباب عدة، من بينها ظروف العمل التي يرونها غير مريحة حيث نقص التجهيزات والطواقم البشرية المؤهلة، وكذلك تواضع الرواتب وغياب آفاق التدرج الوظيفي الواضحة.

ليست هذه العوامل جديدة، ولكنها تفاقمت جراء الأزمة المالية التي تواجهها الدولة. كما تفاقم منسوب التوتر المجتمعي بشكل انعكس على محيط العمل والحياة، ما شكّل سبباً إضافياً من أسباب الهجرة. ومن آخر التجاذبات رفض الكثير من الأطباء مشروع قانون يعرضهم للسجن في حال إدانتهم باقتراف أخطاء طبية. 
 
ولكن العامل الوازن الجديد في معادلة البقاء والرحيل هو تخوف الكثير من الكوادر الطبية، كغيرهم من سائر الكفاءات العليا، من آفاق المستقبل لهم ولأسرهم وعدم اطمئنانهم الى توافر الظروف المناسبة لنشأة أبنائهم في تونس.

وقال لي أخيراً طبيب مختص هاجر السنة الماضية إنّ رحيله إلى فرنسا لم يكن بغرض البحث عن ظروف مادية أو مهنية أفضل، بل كان مرده الى القلق على مستقبل أبنائه، نظراً الى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد وتدهور الوضع الاقتصادي وضبابية الرؤية بالنسبة الى المستقبل عامة.

هذه الاعتبارات تؤشر إلى تحول جوهري في دوافع هجرة الكفاءات من تونس وانعكاساتها المحتملة. 

فظاهرة الهجرة ليست بالطبع ظاهرة جديدة في حد ذاتها. إذ كانت ولا تزال منذ عقود طويلة وسيلة للتقليص من نسبة البطالة، بخاصة لدى الشباب، بعدما فشلت الدولة والمؤسسات الاقتصادية في توفير مواطن الشغل الكافية، إلى حد أن السلطات ذاتها أنشأت مؤسسات مختصة للمساعدة على الهجرة إلى الخارج بذريعة الحل الوقتي لمشكلة وقتية، حتى وإن كان الشك يساور الدولة والمهاجرين أنفسهم منذ البداية في احتمال عودة كل هؤلاء يوماً ما للبلاد.

وكانت السلطات تسن الحوافز لمن يقرر العودة من هؤلاء "التونسيين في الخارج" كما يسمونهم. وكان البعض من المسؤولين يروجون في سردياتهم التبريرية فكرة أن هؤلاء "التونسيين في الخارج" سفراء لبلادهم وسوف يدافعون عن مصالحها أينما استقر بهم المقام من منطلق "أمطري حيث شئتِ فخراجك لي". 

والمشكلة اليوم كما يبرزها المنحى الذي أخذته هجرة الأطباء والكوادر العلمية العليا أضحت أكثر تعقيداً من مشكلة الهجرة كما خبرناها لحد الآن. 

لم تعد الهجرة فقط وسيلة لحل مشكلة البطالة، ولم يعد ينظر إلى المغادرة كحلّ وقتي ترجع بعده الكفاءات المهاجرة للبلاد. ولم تعد مجرد وسيلة لتحسين الأوضاع المادية، بل هي أضحت عملية منظمة ترمي للاستقرار والاندماج في مجتمع آخر والانخراط في هوية مزدوجة تمهد لهوية جديدة. وهذه الرغبة ينميها سعي منظم من دول مثل فرنسا، ودول أخرى في أوروبا، لتيسير عملية الانتقال هذه.

يبدأ المسار بمناظرة علمية ينجح معظم المشاركين فيها قبل أن يقضوا فترة تدريب لسنتين فقط يصبحون بعدها مؤهلين لطلب الجنسية والاستقرار نهائياً في فرنسا على قدم المساواة مع زملائهم الفرنسيين. وهناك أيضاً من يسعى إلى الالتحاق بالمستشفيات الفرنسية بواسطة عقود مباشرة وقتية تمنح ضمانات أقل للاستقرار. لكن مهما كانت السبل فهي تؤدي إلى الخارج. 

لا وجه للمقارنة بين ظروف هجرة هذه الفئة الجديدة بمسارات الشقاء والتمييز العنصري والانتظار الطويل، التي كان يواجهها المهاجرون الآخرون خلال العقود الماضية إلى حين تسوية أوضاعهم القانونية وتيسير ظروف الاندماج لأبنائهم. 

يتعلق الأمر اليوم بعقد غير معلن بين الكفاءات التونسية والدول الأجنبية التي تريد الاستفادة من خدماتها لتعزيز قدراتها في مجالات تعاني فيها هي نقصاً هيكلياً، وكذلك لتجديد مجتمعاتها بجيل جديد من الكوادر العليا المؤهلة ثقافياً واجتماعياً أكثر من غيرها للاندماج في البيئات الأوروبية. 

هذا العقد غير المعلن يقصي طرفاً ثالثاً هو الدولة التونسية التي وفرت الكثير من إمكاناتها المتواضعة على مدى سنوات طويلة لتكوين هذه الكوادر الشابة التي كان من المفروض أن تساهم، إضافة إلى خدمة مجتمعاتها في المجال الصحي، في تكوين الأجيال القادمة من الأطباء وتسليمهم المشعل في المستقبل.

يخشى الكثيرون أن تكون هذه السبل للهجرة هي الطريق الأسرع كي تصبح البلاد في ظرف سنوات قليلة صحراء طبية بعد إفراغها من الكفاءات التي من المفروض أن تضمن أمنها الصحي وسلامة مواطنيها.

طريق هذه الصحراء الطبية معبدة بالإغراءات الأوروبية ولامبالاة وعجز السلطات التونسية تجاه المشكل، إضافة إلى اليأس المؤلم لدى هذه الكفاءات مما يمكن تحقيقه في بلادها.

لا مفر اليوم للسلطات من أن تتحرك ليس بالإجراءات القسرية (وهي تقريباً مستحيلة)، وإنما بالتباحث مع نظرائها في البلدان الأوروبية المعنية وكذلك مع أبناء البلاد المهاجرين زرافات ووحداناً. فهذه الظاهرة المفروضة فرضاً على تونس لا تعطي مصداقية لما سبق الإعلان عنه من مفاهيم التضامن المتوسطي أو التعاون بين الاتحاد الأوروبي والبلدان المجاورة له.

والبعض في تونس بدأ يستشرف الخطر القادم. مجلة "ليدرز"، وهي مجلة تونسية معروفة بجديتها، كتبت تقول: "هل فعلنا شيئاً حتى نستبقي كوادرنا الطبية في بلادنا؟ إن لم نفعل فلا فائدة في التشكي لاحقاً إذا ما وجدنا مستشفياتنا ومصحاتنا خالية من أطبائها". 

واللافت اليوم أن موجات الهروب الكبير للأطباء والمهندسين وسائر الكفاءات العليا لم تعد تثير انتباه الناس في تونس، وصار الجميع يتفهم كيف يسعى من تضيق بهم السبل الى مغادرة البلاد نحو وجهات أخرى.

أصبح ذلك وجهاً من وجوه الواقع الجديد، وكأنما من العادي أن تيأس الأجيال الشابة، المجبولة عادة على الطموح والتفاؤل، من آفاق المستقبل في بلادها. وهذا الشعور قد يكون أخطر من تبعات هذه الهجرة ذاتها. فبتفاؤل وطموح الشباب، وليس بالهروب الجماعي، تبنى الأمم. 
الكلمات الدالة