إعلان

"سياسة مُربكة"... هكذا أدارت إيران لعبة الشّطرنح خلال محادثات فيينا النوويّة

المصدر: النهار العربي
يوسف بدر
يوسف بدر
كبير المفاوضين الايرانيين علي باقري
كبير المفاوضين الايرانيين علي باقري
A+ A-
انتهت الجولة السابعة من المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة 4+1 (فرنسا، بريطانيا، روسيا، الصين + ألمانيا) عصر الجمعة 3 كانون الأول (ديسمبر)، من دون تحقيق أي نتائج واضحة. وقد عاد أطراف التفاوض إلى بلدانهم للتشاور، مع الاتفاق على العودة مجدداً ابتداءً من الاثنين 6 كانون الأول.

رقعة شطرنج
تشكلَ فريق التفاوض الإيراني من وفد مكوّن من 40 عضواً، ما أوحى بأن طهران تسعى إلى رفع العقوبات بأسرع وقت. لكن الحقيقة أن طهران كانت تقود عملية التفاوض على رقعة شطرنج، وحرصت على أن تكون صاحبة عبارة "كش ملك"، فقد كان الوفد الإيراني الكبير هو من أجل التوصل إلى اتفاق دقيق، بما يتماشى مع طبيعة الحكومة الإيرانية الثالثة عشرة التي يقودها المحافظون والتي لا تتساهل مع الغرب.

لقد تقدم الفريق الإيراني بوثيقتين حول "رفع العقوبات" و"الأنشطة النووية"؛ وإذا ما وافق الغرب عليهما؛ فستكون هناك ثالثة حول "التحقق من رفع الحظر". 
 
ويبدو أن فريق التفاوض الإيراني قد استفاد من بنود الاتفاق الإيراني في 2015، فطالب برفع العقوبات بالكامل ودفعة واحدة. كما استفاد من قاعدة "لا شيء متفقاً عليه حتى يتم الاتفاق على كل شيء"، وطالب بالتعامل مع نتائج الجولات الست الماضية على أنها مسودة، ويجب عدم المتابعة من عندها؛ بل يجب مراجعتها. 

وهنا، ارتبك المفاوضون الغربيون وطالبوا بالعودة الى بلدانهم للتشاور، وظهرت التصريحات الأميركية الملوحة باتخاذ طريق آخر إذا ما ثبت أن طريق الدبلوماسية بات قصيراً.

والواضح أن الإيرانيين كانوا يدركون أن الغربيين كانوا ينتظرون أن تقدم طهران تنازلات كافية، بما يساعدها على رفع العقوبات وإنقاذ اقتصادها. لكن تصريحات كبير المفاوضين علي باقري كني توحي بأن إيران قد أرادتْ تعرية الأوروبيين الذين لم يقدموا أي مبادرة على طاولة المفاوضات، بأنهم غير قادرين على أداء دور مستقل عن قرار البيت الأبيض.

أيضاً، توحي تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بفشل المحادثات مع إيران، وقيامه بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر والسعودية، بأن فرنسا التي لطالما لعبت دور "العراب" لمصلحة الولايات المتحدة؛ حريصة على مشاركة القوى الخليجية في إدارة رقعة الشطرنج مع إيران والضغط عليها، بخاصة أن دول الخليج معنية بهذه المحادثات التي تضغط القوى الغربية من أجل أن تشمل مسألة التهديدات الإيرانية الإقليمية، وهو ما ترفضه طهران.

لا يزال الخيار للدّبلوماسيّة
تتبع طهران سياسة "الصبر الاستراتيجي" في تعاملها خلال المفاوضات، ولذلك تعتبر أن ما جرى في الجولة السابعة، هو على مستوى الخبراء ونواب وزراء الخارجية، وهو ما يستلزم النقاش والرد.
 
كذلك، تدرك طهران أن واشنطن ما زالت غير جاهزة لخيار بديل ضدها؛ فإسرائيل ما زالت غير مستعدة لتلافي أي رد فعل إذا ما هاجمت إيران. 

كما أن واشنطن ما زالت تراهن على الخيار الدبلوماسي، لأن هذا يساعدها على الانتقال إلى مرحلة "ما بعد الاتفاق النووي"، وأن الخيار العسكري يضر بالمصالح الأميركية أكثر من نفعه. كما أن التهديدات التي تقودها طهران ضد المصالح الأميركية في المنطقة، في العراق على سبيل المثال؛ هي ضمن الرغبة الأميركية التي تسعى الى تخفيف ارتباطها بالمنطقة. 

وعلى ذلك، فإن إصرار واشنطن على الدبلوماسية في التعامل مع إيران، هو من أجل البحث عن آلية تضمن الاستقرار لهذه المنطقة في مرحلة ما بعد الخروج العسكري الأميركي منها. والشواهد تدل الى هذه السياسة؛ فقد أبلغت إدارة الرئيس جو بايدن الحكومة الإسرائيلية رسمياً بعدم القيام بأي خطوة قد تفشل المفاوضات النووية، وطالبتها بعدم القيام بأي هجمات عسكرية أو سيبرانية، ما من شأنه تعكير سير المفاوضات مع إيران، بخاصة أن إسرائيل عبر إعلامها حاولت التشويش بالحديث عن توصل إيران إلى مستوى تخصيب بنسبة 90% لليورانيوم، وهو ما نفته الوكالة الدولية للطاقة الذرية المخوّلة الحديث عن ذلك. 

كما أن حكومة بايدن سمحت للإيرانيين بالتزامن مع استئناف المحادثات النووية، بأن يبيعوا للعراقيين الكهرباء؛ وهو أمر يتكرر كل 120 يوماً، وتحاول واشنطن من خلاله منح طهران طاقة أمل؛ لدفعها إلى الاستمرار في طريق التفاوض.

الالتزام بسياسة المحافظين
لا توحي طبيعة الحكومة الإيرانية بقيادة إبراهيم رئيسي بالتفاؤل، بخاصة أن هذه الحكومة محاطة بضغوط قوية من جانب المحافظين المتشددين والحرس الثوري والعسكريين. ولذلك طوال الوقت كان حديثها هو عن كيفية تخطي الأزمة الاقتصادية من دون انتظار رفع العقوبات، فضلاً عن وضع حكومة رئيسي في الاعتبار عدم تكرار سياسة حكومة حسن روحاني الإصلاحية السابقة. كما أن عمر الحكومة القصير (4 سنوات) يدفعها للحفاظ على سياسة لا تفقدها شعبيتها بين أنصارها من المحافظين والعسكريين والقاعدة الشعبوية من الجماهير، الذين يدعمون سياسة رئيسي ويعتبرونها سياسة ناجعة في مواجهة التهديدات الخارجية.

وعملياً، فعشية المفاوضات النووية، استمرت طهران في سياسة الابتزاز النووي، وقامت بتركيب أجهزة طرد مركزي متطورة في منشأة فوردو النووية، تقوم بتخصيب اليورانيوم حتى مستوى 20%.  

كما أعدت حكومة رئيسي موازنتها الجديدة من دون ربطها بنتائج المفاوضات؛ أي العمل مع استمرار العقوبات. فقد راهنت على تحقيق مبيعات للنفط بحجم 1.2 مليون برميل يومياً بسعر 60 دولاراً للبرميل الواحد.

وخلال 100 يوم من حكومة رئيسي، أعلن وزير النفط جواد أوجي، عن نجاحه في زيادة مبيعات النفط والبتروكيماويات، متخطياً بذلك العقوبات الأميركية، وذلك من خلال دبلوماسية الطاقة التي اعتمدت على سياسة المقايضة مع دول مثل الصين وفنزويلا وتركمانستان. ورغم أن هذا النجاح يُضعف من قوة الضغوط الأميركية، إلا أنه لا يحل المشكلة بالنسبة الى إيران التي فقدت استثماراتها الأجنبية ولا تملك القدرة على جمع أموالها من الخارج لتطوير قطاعها النفطي والطاقوي.

خيبة أمل في الدّاخل
وبالنسبة الى الشارع الإيراني، والذي يقف إلى جانبه اليوم الإصلاحيون بعدما انضموا إلى صفوف المعارضة؛ كان لديه آمال كبيرة في نجاح هذه المفاوضات، في ظل تضخم في الأسعار وصل إلى نسبة 61.4%، فضلاً عن اضطرابات البورصة وتأثرها بنتائج المحادثات، وأيضاً أسعار النقد الأجنبي، التي تخطى فيها الدولار سقف 30 ألف تومان للدولار الواحد، في ظل عجز الدولة عن تعويم العملة الوطنية؛ خشية من غضب الشارع الإيراني.

كما أن الإصلاحيين كانوا يراهنون على أن يلتزم المفاوض الإيراني بسياسة تكتيكية؛ يحصل من خلالها على جزء من مطالبه؛ وذلك من خلال تقديم مطالب محدودة، واعتماد "دبلوماسية مرنة"؛ بدلاً من رفع سقف التوقعات والتعامل مع الاتفاق النووي ببعد استراتيجي، تريد طهران الحصول من خلاله على كل شيء.

وهناك اتهامات متبادلة داخل إيران اليوم بين المحافظين ورجال الحرس الثوري من جانب، وبين الإصلاحيين والمحافظين المعتدلين من جانب آخر، حول تضليل الرأي العام الإيراني تجاه المفاوضات النووية، وأن هناك من يدفع الشارع للضغط على الحكومة للاستسلام في هذه المحادثات.

كما ينتقد الإصلاحيون سياسة حكومة رئيسي المحافظة التي اتجهت أكثر نحو معسكر الشرق (روسيا والصين). بينما هذا المعسكر يتكسب من خلاف إيران مع الغرب، ويسرق نفطها وتجارتها باسم مساندة الحليف.

وذهب البعض إلى مطالبة الحكومة بتغيير سياستها في إدارة المفاوضات، فالخبير في الشؤون الغربية، سيد وحيد كريمي خلال حواره مع موقع "الدبلوماسية الإيرانية"، اتهم رئيسي باتّباع سياسة "تشويش"، وهو ما ظهر من خلال التركيبة المتناقضة لحكومته وفريق التفاوض؛ وذلك حتى يصيب الطرف الآخر بالتشويش ولا يعرف كيف يفكر الطرف الإيراني. واعتبر أن إيران لن تنجح في مفاوضات تقف فيها وحدها أمام القوى العظمى، وعليها أن تستفيد من النموذج "الكوري الشمالي" الذي قام بمفاوضات ثنائية ناجحة مع هذه الدول. 
وربما كان ما تقوم به طهران من محادثات ثنائية مع دول الخليج نموذج عملي لذلك.

المحصّلة
المحادثات النووية مع إيران ما زالت في جولتها الأولى ولم تنته بعد، ولا يمكن الحكم بفشلها، وسياسة المفاوض الإيراني تسعى إلى رفع سقف المطالب من أجل إبعاد الغرب عن مناقشة أي قضايا خارج الاتفاق النووي.

إن حكومة رئيسي تحاول الحصول على نتائج من هذه المفاوضات تكون مختلفة عن الحكومات التي سبقتها، وهذه الحكومة تقلق من ضغط الشارع الإيراني عليها للقبول بتحقيق أي نتائج من هذه المحادثات.

إن القوى الأوروبية تضع في اعتبارها مصالحها مع القوى المحيطة بإيران، وهذا ما يدفعها للالتزام بسياسة موحدة ومتسقة مع القرار الأميركي، بما يضمن لها الحفاظ على مصالحها في المنطقة.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم