إعلان

الانسحاب الأميركي من الصومال ومضاعفاته الإقليمية

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
واشنطن- هشام ملحم
فرقة أميركية في الصومال
فرقة أميركية في الصومال
A+ A-
قرار الرئيس دونالد ترامب سحب كل القوات الأميركية تقريباً من الصومال والتي يصل عديدها الى 700 عنصر معظمهم من القوات الخاصة الذين يساهمون في عمليات مكافحة الإرهاب وتدريب الجيش الصومالي، ينسجم مع سياسته الرامية الى إخراج الولايات المتحدة مما يسميه "الحروب التي لا نهاية لها" في تلك المنطقة من العالم، ولكنه يأتي في وقت يمر فيه الصومال في مرحلة حساسة، وفي الوقت الذي تشهد فيه منطقة باب المندب "البحر الأحمر- القرن الأفريقي" توتراً متزايداً من المتوقع ان يفاقمه الانسحاب الأميركي.
 
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية يوم أمس الجمعة في بيان مقتضب عن الانسحاب الذي يفترض أن ينتهي في الخامس عشر من الشهر المقبل، أي قبل خمسة أيام من أداء الرئيس الجديد جوزف بايدن قسم اليمين. وسوف يتم نقل بعض هذه القوات الى كينيا، حيث يمكنها مواصلة مكافحة الإرهاب في الصومال من خلال استخدام الطائرات من دون طيار من قواعد عسكرية في كينيا. ولكن الانسحاب سوف يؤثر في جاهزية وفعالية القوات الصومالية المسلحة. ويُعتقد أن الانسحاب لن يشمل جميع عناصر وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) العاملين في الصومال. وكانت السلطات الأميركية قد أعلنت مؤخراً عن مقتل عنصر من الـ"سي آي اي" في الصومال. وساهمت عمليات تدريب القوات الصومالية التي تشرف عليها القوات الخاصة الأميركية الى إلحاق ضربات عسكرية بتنظيم "حركة الشباب الصومالية" خلال الأسابيع الماضية وتحرير بعض البلدات التي كان يحتلها.
 
وجاء قرار ترامب بعد اسبوعين من إعلان وزارة الدفاع عن تخفيض عديد القوات الأميركية في أفغانستان من 4500 عنصر الى 2500، "على أن يتم سحب جميع هذه القوات في منتصف 2021"، وتخفيض القوات في العراق من 3000 عنصر الى 2500 عنصر. وكل هذه الانسحابات جاءت خلافاً لتوصيات القادة العسكريين الذين يتخوفون من استغلال "حركة طالبان" لهذه التطورات الميدانية لتعزيز نفوذها على حساب الحكومة الافغانية، وقيام إيران والميليشيات العراقية الموالية لها بتعزيز نفوذها في بغداد والضغط على الحكومة العراقية. وهناك قلق مماثل من أن يؤدي الانسحاب من الصومال الى تشجيع تنظيم "حركة الشباب" المصنف ارهابياً على زيادة تحديه للحكومة الصومالية، التي تحضر لانتخابات نيابية في كانون الثاني (يناير) المقبل، ورئاسية خلال شباط (فبراير) المقبل.
 
وعلى الرغم من أهمية هذه الانسحابات، الا انها لم تحقق الهدف الاصلي للرئيس ترامب، وهو تحقيق الانسحاب الأميركي الكامل من هذه النزاعات خلال وجوده في البيت الأبيض. 
 
الانسحاب الأميركي السريع من الصومال يمكن أن يهدد المكاسب التي تم تحقيقها في الحرب ضد تنظيم "حركة الشباب" وربما تشجيعه على نقل هجماته الى الدول المجاورة مثل كينيا، كما حدث في بداية هذه السنة حين قامت عناصر تابعة لـ"حركة الشباب" بمهاجمة قاعدة أميركية في كينيا وقتل 3 جنود أميركيين.
 
ولكن أكثر ما يقلق معارضي الانسحاب من الصومال هو المضاعفات الإقليمية لهذه الخطوة، نظراً للتنافس السياسي والاستراتيجي والاقتصادي بين الصين وروسيا وتركيا ودولة الامارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية ومصر وغيرها في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، في الوقت الذي يزداد فيه التوتر بين إثيوبيا ومصر بسبب سد النهضة الإثيوبي الذي تراه مصر خطراً وجودياً بسبب اعتمادها المطلق على مياه نهر النيل. ويتركز تنافس الدول الإقليمية والدولية على المرافئ المهمة (والقواعد البحرية) في دول القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
 
الانسحاب الأميركي من الصومال سوف يعزز من الوجود العسكري الروسي والصيني في تلك البلاد وفي المنطقة، كما يمكن أن يزيد من مستوى التعاون الأمني بين روسيا والصومال في مجال مكافحة الإرهاب. وهناك تنافس قوي بين دولة الامارات العربية المتحدة ومعها المملكة السعودية ومصر من جهة وتركيا وقطر من جهة أخرى في الصومال، لردع النفوذ التركي في المنطقة. وكانت تركيا في السنوات الأخيرة قد ساهمت في تدريب القوات الصومالية، ونشرت قوات بحرية وجوية في الصومال، في سياق محاولات أنقرة لتعزيز وجودها العسكري في حوض البحر الاحمر، حيث سعت لإقامة قاعدة بحرية في السودان قبل الإطاحة بنظام عمر البشير في الخرطوم. وللمرة الأولى منذ نهاية الامبراطيورية العثمانية قبل أكثر من قرن، اصبح للدولة التي خلفت هذه الامبراطورية وجود عسكري في مناطق ومياه بعيدة من تركيا كان يحتلها العثمانيون أو كان لهم فيها نفوذ كبير، في البحر المتوسط "ليبيا" وفي البحر الأحمر والقرن الأفريقي "الصومال" وفي الخليج "قطر".
 
الانسحاب الأميركي شبه الكامل من الصومال، واقتراب نهاية الحرب في افغانستان "للأميركيين على الاقل" وتخفيض عديد القوات في العراق، وربما لاحقاً في سوريا، يؤكد نهجاً اميركياً بدأه الرئيس السابق باراك أوباما الذي سعى، ولكن دون نجاح لإنهاء تورط الولايات المتحدة العسكري في افعانستان، وإن حقق الانسحاب من العراق في 2011 قبل أن يضطر للعودة عسكرياً الى العراق في 2014 بعد احتلال ارهابيي تنظيم "داعش" للموصل. أوباما أراد تخفيض "البروفيل" الأميركي العسكري وحتى السياسي في الشرق الأوسط، للتفرغ أكثر لمواجهة التوسع الصيني الاقتصادي والعسكري في شرق آسيا. الرئيس ترامب نجح جزئياً في تحقيق الانسحابات العسكرية من المنطقة، واصطدم بمعارضة وزارة الدفاع ما أدى الى استقالة وزير دفاعه الأول جيمس ماتيس الذي عارض رغبة ترامب بسحب القوات الأميركية من سوريا. 
 
ومن المتوقع أن تؤدي الضغوط الشعبية، وفي أوساط المشرعين الديموقراطيين، ومعهم بعض المشرعين الجمهوريين، الى استمرار عملية تخفيض الوجود العسكري في المنطقة خلال ولاية الرئيس الجديد جوزف بايدن. هذا الانسحاب الأميركي، العسكري والسياسي التدريجي من المنطقة الممتدة من جنوب آسيا وعبر الخليج وشرق المتوسط وانتهاء بشمال أفريقيا، سوف يخلق فراغاً سياسياً واستراتيجياً قد تسعى دول اقليمية وخارجية لأن تملأه كما هو الحال الآن في سوريا وليبيا وقريباً في الصومال. 
 
الغياب العسكري الأميركي عن المنطقة سوف يضعف الدبلوماسية الأميركية فيها، وهذا يعني أن نزاعات المنطقة من شرقها الى غربها سوف تزداد سخونة وشراسة في السنوات المقبلة. 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم