إعلان

الحكومة اللبنانية الضحية الكبرى للعاصفة الخليجية!

المصدر: النهار العربي
نبيل بومنصف
نبيل بومنصف
مجلس الوزراء اللبناني
مجلس الوزراء اللبناني
A+ A-
قد تكون الضربة القاسية المبكرة التي منيت بها الحكومة اللبنانية الغضة العمر وفي مطلع انطلاقتها هي الضريبة الأشد وقعاً على لبنان بموازاة التداعيات الدبلوماسية والاقتصادية الثقيلة جداً لما سُمي العاصفة الخليجية التي تفجرت بين لبنان والمملكة العربية السعودية ومعظم دول مجلس التعاون الخليجي. ذلك أن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وبعد أقل من شهرين على تشكيلها، تجد نفسها راهناً أمام واقع نادراً ما واجهته حكومة من قبل. صحيح أن تاريخ الحكومات المتعاقبة في لبنان مملوء ومثقل بالكثير من الأزمات والتجارب الصعبة لكن غالباً ما كانت تواجهها إما حكومات تعمل بكامل صلاحياتها وإما حكومات مستقيلة في طور تصريف الأعمال. أما أن تغدو حكومة بعد أسابيع من بدء انطلاقتها مشلولة ومعطلة كما حصل مع الحكومة الحالية وهي الثالثة التي يرأسها نجيب ميقاتي فهذه تشكل تقريباً سابقة في الأزمات الحكومية، إذ جعلت الحكومة تتأرجح بين وضع يفترض أن يكون طبيعياً لحكومة بكامل وضعها الدستوري ووضع شاذ طارئ تكاد تتحول معه الى حكومة تصريف أعمال موسع.
 
هذا الواقع فرضته أزمتان لا رابط نظرياً بينهما ولكن الرابط الضمني الجوهري يكشف هشاشة "القماشة" الحكومية والوزارية التي جرت الاستعانة بها من أجل التعجيل في تشكيل الحكومة قبل شهرين تحت وطأة متغيرات حصلت آنذاك عقب قرار الرئيس سعد الحريري العزوف عن تشكيل الحكومة بعدما تمادت عملية عرقلة مهمته وتعطيلها سحابة أشهر طويلة. ذلك أن مجريات أزمة مطالبة الثنائي الشيعي ("حركة أمل" و"حزب الله") بإقالة المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار لاتهامه بالتسييس ومخالفة الأحكام الدستورية في مهمته والأزمة المتفجرة مع الخليج بسبب تصريحات لوزير الاعلام جورج قرداحي كشفت بسرعة مذهلة أن الحكومة التي كان يفترض أن يكون أعضاؤها على مسافة معقولة من القوى السياسية والحزبية اللبنانية إنما هي حكومة أحزاب مئة في المئة ولا مكان فيها لأي وزراء مستقلين.
 
ليس الأمر واقعياً بجديد لأن ولادة الحكومة اقترنت بما صار معروفاً من أن فرنسا، صاحبة المبادرة الشهيرة التي أطلقها رئيسها إيمانويل ماكرون للدفع نحو تشكيل حكومة مستقلين وخبراء، وبعدما طالت أزمة تشكيل الحكومة وحال التعطيل الذي تولاه العهد العوني أساساً وظاهراً وبدعم ضمني من "حزب الله"، عادت وسلمت بعد اعتذار الحريري وتكليف ميقاتي بحكومة كانت للقوى السياسية والحزبية اليد الطولى في اختيار وزرائها، لكن على أساس أن يكون هؤلاء الوزراء من أصحاب الاختصاصات ويتمتعون بهامش استقلالي ومستقل الى حدود معقولة. هذا المعيار انكشف زيفه وسقط بسرعة مذهلة من أول طريق الحكومة مع تفرد وزراء عديدين منذ اليوم الذي سبق تسلمهم مسؤوليات وزارتهم بمواقف إعلامية فورية بدت ارتجالية ومتسرعة بما عكس قلة خبرة لدى معظم الوزراء.
 
على أن الأسوأ بدأ يظهر مع مضمون المواقف التي تصاعدت من وزراء الثنائي الشيعي الذين عطلوا انعقاد جلسات مجلس الوزراء على وقع قرارت حزبية لقيادتي "أمل" و"حزب الله". وراح الوزراء يطلقون مواقف باسم هذين الفريقين مباشرة بلا أي قفازات. وأتبع ذلك وزير الإعلام جورج قرداحي الذي كان يحظى قبل تفجيره قنبلة التسبب بأسوأ وأول أزمة بهذا الحجم الخطير بين لبنان والدول الخليجية بشهرة النجومية الواسعة للغاية، فإذا بها تهوي تحت تحوله وزيراً ناطقاً باسم ثلاثي حزبي في المحور السوري - الإيراني أي "تيار المردة" والثنائي الشيعي. حتى أنه غدا بمثابة الواجهة الهشة المكشوفة لـ"حزب الله" تحديداً الذي صار الآمر الناهي في تصعيد المواقف الى ذروتها تجاه السعودية ومنع قرداحي من الامتثال الى رغبة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي باستقالته كمنطلق أساسي لا بد منه لبدء احتواء تداعيات الأزمة مع الخليج. ولم تكن حالة وزير الخارجية عبدالله بو حبيب أقل دلالات لجهة السقطات التي طبعت تصريحاته الصوتية المسجلة والتي تسببت له أو للجهة المحسوب عليها، أي رئيس الجمهورية، بتداعيات ستجرجر ذيولها طويلاً.
 
تبعاً لكل ذلك باتت حكومة ميقاتي أمام مسارين شديدي السلبية: الأول تعطيل واقعي قد يطول الى أمد بعيد وربما حتى الانتخابات وتغدو فعلاً "حكومة نصفية" من حيث ممارسة مهماتها وصلاحياتها لغياب مجلس الوزراء صاحب الصلاحيات الحاسمة الأساسية والدستورية. والثاني انهيار الثقة بمعظم الوزراء الذين تورطوا في الأزمات بمنحى كشف انعدام استقلاليتهم بل بدوا أكثر فئوية من الوزراء الحزبيين.        
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم