إعلان

انتخابات أميركا كانت استفتاءً على شخص ترامب

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
أحد مناصري ترامب في لاس فيغاس أمس (ا ف ب)
أحد مناصري ترامب في لاس فيغاس أمس (ا ف ب)
A+ A-
حتى كتابة هذه السطور لم تتضح الصورة في الولايات المتحدة بالنسبة الى من سيكون الرئيس المقبل. وحتى في حال فوز نائب الرئيس السابق جو بايدن بأصوات من المجمع الانتخابي تنقصه لكي يعلن فوزه، أقله عبر وسائل الإعلام، فإن الصورة تبقى غامضة بالنسبة الى الطعون التي قدمها الرئيس دونالد ترامب ومدى قدرة "مقاومته" القضائية على منع فوز بايدن، أو إطالة أمد الفترة الضبابية في واشنطن. لكن، وبصرف النظر عمن سيقسم اليمين الدستورية في الحادي والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل، فإن ثمة ملاحظات بعضها على صلة بالمعركة الانتخابية في أميركا، لا بد من إيرادها. 
 
فعلى صعيد المعركة الانتخابية التي استعرت طوال الأشهر التي سبقت الاقتراع، يمكن المراقب أن يلاحظ أن الانتخابات الرئاسية هذه المرة طغت عليها سمة الاستفتاء على شخص الرئيس دونالد ترامب أكثر مما كانت معركة انتخابية بين مرشحين اثنين، وبين برنامجين رئاسيين تقدم بهما كل من ترامب وبايدن، وطرحاهما على الناخب الأميركي. لقد كانت الانتخابات استفتاء على شخص ترامب، من معه ومن ضده، وكان المرشح جو بايدن واجهة لمعركة محاولة إسقاط ترامب ومنعه من البقاء في البيت الأبيض اربع سنوات إضافية.
 
كانت الانتخابات الأميركية التي تميزت، بحسب الأرقام، بكونها شهدت نسبة المشاركة الأعلى ربما في التاريخ، وبالتأكيد شهدت أعلى نسبة في الحماسة الى درجة الهوس والجنون في بعض الأحيان، تأييداً لترامب أو معارضة له. فالنجم الحقيقي والوحيد للانتخابات كان ترامب وشخصيته المثيرة للجدل وللخلاف في أرجاء الولايات المتحدة. في المقابل بدا المرشح بايدن (حتى لو فاز) دائماً بصورة الشخصية الباهتة، وربما العادية، التي تعيد الى الأذهان حاجة الكثيرين في الولايات المتحدة الى أن يكون ساكن البيت الأبيض رئيساً عادياً، لا رئيساً يثير الجدل والانقسام في كل حركة يقوم بها، أو في كل كلمة ينطق بها، أو تغريده يكتبها. وشخصية بايدن الذي شغل منصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما هي فعلاً عادية، لا بل هامشية في سلم القوى المسيطرة على الحزب الديموقراطي، وكان اختياره بمثابة خيار الضرورة أكثر منه وليد قناعة بصفاته القيادية، أو بمواصفاته السياسية، أو بحيويته في العمل. من هنا صوت أكثر من مئة وستين مليون أميركي للإجابة عن سؤال واحد وحيد: مع أو ضد دونالد ترامب؟. 
 
لكن، وعلى رغم قوة الحملة التي خيضت ضد ترامب، وقوة الأسلحة الدعائية المستخدمة ضده، وإجماع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي على معاداته، تمكن ترامب، فاز أو لم يفز، من أن يخوض معركة انتخابية هائلة حصد فيها عشرات الملايين من الأصوات، مفوتاً على الديموقراطيين ومرشحهم بايدن (لو فاز) إمكان أن يحققوا نصراً كاسحاً كما كان يشاع قبل الانتخابات.
 
أكثر من ذلك، أظهرت المعركة الانتخابية، ثم النتائج، حجم الانقسام في المجتمع الأميركي، ومدى التحول الذي أصابه في السنوات الأخيرة. فقد أثبتت الانتخابات هذه أن ترامب ليس حالة عابرة، كما كان يروج الديموقراطيون، ومعهم غالبية وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة، وإنما هو تعبير عن حالة راسخة في المجتمع الأميركي، باعتبار أن الفوارق في التصويت الشعبي ليست كبيرة لمصلحة بايدن الذي كان مرشح ائتلاف واسع النطاق من "الاستبلشمنت" الأميركي تخطى الحزب الديموقراطي، ووصل الى بعض مواقع الحزب الجمهوري بقيادته التقليدية. كل هذا مؤشر الى أن المجتمع الأميركي الذي صوت أخيراً في معركة رئاسة الجمهورية والكونغرس ازداد انقساماً، وقد استقطبته معركة قامت على تطرف في الأفكار والمظاهر والتعبير. 
 
تذكرنا معركة الرئاسة الأميركية التي قلنا إنها كانت بمثابة استفتاء على شخص ترامب، وإن المرشح بايدن مثّل المواطن العادي في مواجهة "وحش" في السياسة والدعاية والأداء، بمعركة انتخابات الرئاسة التي حصلت في فرنسا عام 2012 بين الرئيس نيكولا ساركوزي لولاية ثانية، ومرشح الحزب الاشتراكي فرانسوا هولاند. وقيل يومها إن الفرنسيين شبعوا من التصويت لرؤساء من السياسيين أصحاب شخصية قوية، ويمارسون سلطاتهم كملوك. يومها فشل الرئيس ساركوزي الذي كان مثيراً للجدل في العديد من الملفات التي تصدى لها، أو في جانب من سلوكياته، في الفوز بولاية ثانية، وفاز عليه المرشح فرانسوا هولاند الذي وصفته وسائل الإعلام الفرنسية بـ"الرئيس العادي"، أي الرئيس الذي يشعر المواطن بأنه يشبهه، لا الذي يلبس لبوس الملوك. وكانت هذه التسمية نابعة من فكرة أن الناس يمكن أن تذهب الى صناديق الاقتراع صوب رئيس ضعيف الشخصية وباهت عموماً، مفضلة إياه على رئيس "متعب" بسلوكه وأدائه وخطابه.
 
ذكرتني الانتخابات الأميركية الأخيرة بهذه السابقة الفرنسية فيما كنت أراقب بتمعن شخصية المرشحين ترامب وبايدن. هنا زدت قناعة بأن الانتخابات الأميركية الأخيرة أجريت على شخص ترامب، وإن تكن خلفية المعركة اجتماعية – اقتصادية بشكل كبير.   
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم