إعلان

رسالة جون كيري الى محمود عباس ونبوءته

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
جانب من رام الله
جانب من رام الله
A+ A-
الرجل الذي يتلقى في المقهى الشعبي في رام الله التحتا مكالمات من قريبه في ديترويت، والذي كان عادياً ومنزوياً في مقعده البعيد، متوحداً مع أرجيلة الى وقت قريب، أصبح مصدراً مهماً يقصده الجالسون حول الموائد المتباعدة، لمعرفة ماذا يحدث في الانتخابات الأميركية.
 
يخفت الضجيج ويتوقف صياح لاعبي الورق وتصمت أحجار النرد، وتصدر أصوات مطالبة بالهدوء كلما رنّ هاتف الرجل. ليست مكالماته كلها من قريبه الغامض المطّلع الذي يرسل أرقام التصويت من ميشيغن، أحياناً يتعلق الأمر بحاجات البيت ومطالب صغيرة من البقالة، ولكن الرجل لا يخفض نبرته ويواصل الاهتمام بأسعار الخضر بقدر اهتمامه بأرقام الفرز في ميشيغن، ويوافقه السامعون بتعليقات فيها الكثير من التذمر على "الغلاء" بانتظار مكالمة ميشغين من جديد، هناك حيث يعيش الآلاف من أبناء المدينة الذين بدأت هجرتهم منذ بدايات القرن الماضي وتواصلت الى الآن، وبعضهم وصل الى تكساس وولايات أخرى على الساحل الشرقي، حيث أسسوا اتحاداً ناشطاً عام 1959 يضم الآلاف من أبناء رام الله، تحوّل الى جسر عامر بين مهجرهم ومدينتهم.
 
يمكن رؤية بعض البيوت الجميلة التي تركها المهاجرون في منحدرات التلال الشجرية التي تقوم عليها المدينة، وبينما جرى ترميم بعض البيوت والأحواش في البلدة القديمة، دمّر المقاولون الجدد العديد من هذه البيوت التي بُني معظمها في النصف الأول من القرن الماضي واستبدلوا بها أبراجاً سكنية وعمارات حديثة وأسواقاً ومجمعات تجارية.
 
الحقيقة أن رام الله، الابنة الأصغر في سلسلة مدن الجبال المعمرة في فلسطين، هي مدينة هجرات بامتياز، فقد تأسست عبر هجرة عائلة مسيحية من جبال "الشوبك" شرق نهر الأردن في مطلع القرن الخامس عشر. لقد منحتها عائلة البدوي راشد الحدادين هويتها المسيحية المنفتحة، بينما حافظ الحرج الكثيف المرتفع الذي بنى بيته فيه على اسمه الكنعاني "رام الله" أو "حقل الرب المرتفع"، كما يشير بعض الباحثين، وتحوّلت المدينة محطة للهجرة مع نهايات القرن التاسع عشر، خلال الحكم العثماني، نحو الأميركتين، وهي هجرات شملت المسيحيين والمسلمين من مدينة البيرة المجاورة والمتداخلة معها والقرى المحيطة بها.
 
غير بعيد عن مقعد رجل المقهى الذي يتلقى اتصالات من قريبه في مشيغين، تقع "المقاطعة"، هناك يعمل الرئيس محمود عباس ويستقبل زواره ويجتمع مع مستشاريه، ويعقد اجتماعاته ويصلي في مسجد الرئاسة في المناسبات والأعياد. وفي المقاطعة يقع ضريح ياسر عرفات ومتحفه أيضاً، وتصل حافلات سياحية محمّلة بزوار الضريح.
 
في المقاطعة يتلقى الرئيس مكالمات وتقارير حول الانتخابات في الولايات المتحدة، النشاط  بدأ يدبّ في المكاتب والممرات بعد فترة ركود طويلة، يعرف الرجل في المقاطعة أن نتائج هذه الانتخابات ستشكل منعطفاً في مسيرته الرئاسية، وفي تقرير مصائر أفكار كثيرة تم تداولها في المنطقة خلال العقود الأخيرة. 
 
منذ وقت طويل صعد الى غصن مرتفع على شجرة وجلس هناك بانتظار السلم، السلم الذي وعده به جون كيري وزير خارجية أوباما قبل وقت طويل.
اصمد في مواجهة دونالد ترامب وفريقه، نحن عائدون، قال كيري في رسالته التي اكتسبت ملامح النبوءة.
 
كان ذلك في مطلع 2018، حين طلب الوزير السابق الذي تجول في رام الله وأكل شاورما من مطعم "السامر" الشعبي في إحدى زياراته، بوضوح من أحد مقربي أبو مازن، حسين الآغا، الذي التقاه في العاصمة البريطانية، نقل رسالة الى الرئيس الفلسطيني مفادها أن يصمد في موقفه، وأن يمرر الوقت، وأن لا يستسلم لضغوط ترامب. في الرسالة أيضاً، بحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، أن كيري طلب من الرئيس عدم مهاجمة أميركا ومؤسساتها وتركيز "هجومه" على ترامب وفريقه.
 
وهو بالضبط ما فعله الرئيس بمجرد أن بدأ يتسلق الغصن المرتفع، رافضاً كل دعوات النزول، واصل جلوسه العنيد وهو يحسب الأيام حتى الوصول الى الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، تماماً كما يحسب أصوات الناخبين في الولايات المتأرجحة منذ مساء الثلثاء بتوقيت الولايات المتحدة.
 
ثمة أسباب كثيرة تتجاوز السياسة والأفكار الوطنية تجعل من نتائج الانتخابات الأميركية شأناً داخلياً فلسطينياً، وتدعو رواد مقهى "الانشراح" الشعبي الى الإصغاء لمكالمات قريب زميلهم في ميشيغن، أسباب تتعلق بأزمة الرواتب، وتوقف المشاريع ومشاريع البنية التحتية، والبطالة، وتوحش المستوطنين، وتصاعد الاقتحامات ومصادرة الأراضي، وأزمة الخدمات في وكالة غوث اللاجئين، وقدرة مستشفيات القدس على مواجهة "كوفيد 19". لقد أغلقت إدارة ترامب الممرات التي كانت تصل عبرها المساعدات الأميركية، بما فيها تلك المتعلقة بالأمن، وحجزت حكومة إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية التي تغطي نسبة كبيرة من ميزانية السلطة، بعدما صعدت الأزمة من خلال مصادرة الأموال التي تصل الى عائلات الأسرى، ما دفع السلطة الى رفض تسلم الأموال ناقصة.
 
 يبدو نجاح المرشح الديموقراطي جو بايدن نوعاً من الخلاص، برغم أن الأشياء لا تبدو واضحة، ولكن الخلاص من حقبة ترامب وحزمة الضغوط القاسية، وخططه وأفكاره الغريبة المتعلقة بمستقبل الفلسطينيين وانحيازه المطلق للاحتلال، يشكل فرصة للتنفس وخبراً جيداً بعد أربع سنوات من الأخبار السيئة.
 
السؤال الحقيقي سيظهر في اليوم التالي، بعد نزول الرئيس عن الشجرة وهو يحمل رسالة كيري ووصاياه، وملامسة أرض الواقع الذي تغير في الكثير من جوانبه.
 
عندما يتّضح أنه من الصّعب رفض أفكار بايدن والإدارة الجديدة، وسيكون من المستحيل تسلّق الشجرة من جديد، حين يتّضح بجلاء أن هامش المناورة أصبح ضيقاً، وأن "الانتظار" حتى خسارة ترامب لم يكن برنامجاً مثالياً، برغم أن السّير في كوكب لا يحكم فيه ترامب الولايات المتحدة هو نوع من حسن الحظ
صبيحة اليوم التالي، فيما لو فاز بايدن، ومواجهة مطالب الإدارة الأميركية الجديدة، لن تكون، بالنسبة الى الفلسطينيين، أفضل بكثير من الاتكاء على موقف قوي ورافض لصفقة ترامب والاختفاء خلفه من دون حراك.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم