إعلان

كيف يتم نسف كل تقدّم في تشكيل الحكومة اللبنانية؟ ولماذا؟

المصدر: النهار العربي
فارس خشان
فارس خشان
الرئيس اللبناني ميشال عون
الرئيس اللبناني ميشال عون
A+ A-
 
عندما لوّح الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة نجيب ميقاتي، بإمكان تقديم اعتذاره، في ضوء نتائج الاجتماع الثالث عشر مع رئيس الجمهورية ميشال عون، سارعت اطراف عدة الى التمنّي عليه أن يجمّد توجهه هذا.
 
تقدمت الخلية الدبلوماسية في الرئاسة الفرنسية رعاة هذا "التمنّي"، "رأفة بالليرة اللبنانية"، واعدة ببذل جهود إضافية لازالة العراقيل.
 
رئيس مجلس النواب نبيه بري، بالتوافق مع "حزب الله"، حذا حذو فرنسا، الأمر الذي سمح للمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم بأن يعود الى الواجهة ليلعب، مجدداً، دور الوسيط، مبعداً صورته عن "جدلية" الادعاء عليه في ملف انفجار مرفأ بيروت.
 
ولكن، ماذا استجد حتى بات عون وميقاتي بحاجة الى تدخل خارجي وإلى وسطاء، بعدما ثابرا على الإيحاء بأنّهما قادران على النقاش والتفاهم وادارة الاختلاف؟
 
يشير البعض الى أنّ ميقاتي، بتوقيعه بيان رؤساء الحكومة السابقين الذي طالب بملاحقة عون في ملف انفجار المرفأ بالتساوي مع ملاحقة رئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب، أخرج نفسه من نهج "تدوير الزوايا" وأدخل نفسه في مواجهة مع العهد، وتالياً بات الوضع بين المرجعيتين المعنيتين بالتفاهم على الحكومة يحتاج الى "تعويم".
 
ولكن، لماذا رضي ميقاتي بالتوقيع على "بيان اتهام" عون، وهو "على بعد امتار من تشكيل الحكومة" كما كان قد صرح؟
 
تتقاطع مصادر عدة في تقديم جواب واحد عن هذه الاشكالية: "لأنّ ميقاتي وصل الى قناعة بأنّ عون لا يريد حكومة إلّا إذا أتت متطابقة مع مصلحة مجموعته السياسية التي يقودها صهره جبران باسيل. وعون في هذا التوجّه يلقى دعماً - ولو مموّهاً- من "حزب الله" الذي يستكمل، مستفيداً من الفراغ، عملية نقل لبنان كلّياً الى المحور الايراني".
 
كيف تأكّد من ذلك؟
 
اكتشف ميقاتي الخلفية الحقيقية التي تكمن وراء "مهلة التفكير" التي يطلبها عون، كلّما اقترح عليه مجموعة من الأسماء لشغل حقيبة "متنازع عليها".
 
في هذه المهلة، تتم جوجلة الأسماء في القصر الجمهوري، فيتم إهمال تلك التي لا تربطها أي صلة بالمجموعة الرئاسية، ويتم الإبقاء على تلك التي يمكن "احتواؤها". ومن ثم تتولّى شخصية تربطها صلة بالأسماء "المقبولة مبدئياً" الإتصال بها، وتطلب منها التواصل مع عون، بصفته رئيس البلاد، ومن الضروري أن يتعرّف على الشخص قبل توزيره. وهذا ما يحصل، ولكن، ما إن ينتهي لقاء التعارف مع الرئيس، حتى تعاود الشخصية نفسها الاتصال بالمرشح الوزاري وتفهمه، بوضوح، أنّه ليقطع آخر شوط للحصول على مباركة الرئيس، عليه أن "يقف على خاطر" جبران باسيل. وحينها، إذا استجاب مرشح ميقاتي لهذه النصيحة، و"نجح في الامتحان الباسيلي"، يتم وضع اسمه على لائحة "المتفق عليهم"، وإلّا فإنّه يُحذف من المعادلة.
 
وهكذا، بات واضحاً لميقاتي أنّه لا يشكّل الحكومة بالتفاهم مع عون، بل بالتواطؤ "غير القصدي" مع جبران باسيل.
 
وقد أدّى هذا النهج الذي اعتمده القصر الجمهوري في التعاطي مع الشخصيات المقترحة للتوزير الى إبعاد الأسماء التي تتمتع بكفاءات "مقبولة" في المهمة المرشّحة لها، لمصلحة أسماء لا تتمتّع إلّا بكفاءتين: ليونة استثنائية في عمودها الفقري،وبراعة مذهلة في التحكّم بعضلة اللسان.
 
وبسبب ذلك، باتت تركيبة التشكيلات الحكومية التي يمكن التوافق عليها مثيرة للسخرية هنا، وللسخط هناك، ومن شأنها، تالياً، أن تُفقد الحكومة الجديدة زخمها المطلوب في أقل من أسبوع واحد.
 
وفجأة، صدّق ميقاتي أنّه، إذا بقي صامتاً على هذا المسار، فهو مدعو الى أن يكون نسخة "طبق الأصل" عن حسّان دياب الذي كان قد جاء به، في حكومته الأخيرة وزيراً للتربية، فوجده، عند المفاصل، يترك "الوسطية" ويصطف الى جانب "مجموعة ٨ آذار" عموماً وجبران باسيل خصوصاً.
 
وبالفعل، فإنّ ميقاتي لم يستطع أن يتفق مع عون، في الاجتماعات التي عقداها، إلّا على شكل حكومة محاصصة مقنّعة، ستكون مفاعيلها أسوأ بكثير من حكومات المسؤوليات السياسية المباشرة.
 
وبما أنّ ميقاتي "غير مقتنع المجتمع المدني" وطموحه، كان ويبقى، أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من الطبقة السياسية، فقد رمى في الميدان السياسي تشكيلة حكومية سياسية مائة بالمائة، تضم شخصيات سياسية من الصف الأوّل ووجوهاً سبق أن شهد لها كثيرون في الخارج قبل الداخل، بقدرتها على الانجاز والتواصل.
 
وقد لا يكون الهدف من التشكيلة البديلة التي يطرحها ميقاتي ايصالها الى السلطة التنفيذية، بقدر ما هي "بارود الشرف" الذي سيتوسّله للخروج، اذا ما فشل "الوسيط الفرنسي"، في الأيّام القليلة المقبلة، مرة جديدة.
 
على أيّ حال، إنّ القوى المقرّرة في لبنان، لا يضيرها عدم تشكيل حكومة، فها هي توفد وفداً حكومياً الى دمشق، في خطوة تتخطّى منطق تصريف الأعمال، وتتستّر بالفراغ، لتنظّم عملية دخول المازوت الايراني الى لبنان، "مدشّنة" بذلك أعمال "الجهاد النفطي" في "حزب الله".
 
في الواقع، إنّ هذه القوى المقررة لا تريد إلّا حكومة تنفّذ سياساتها، بكل ما تتضمّنه من انحرافات، لأنّ انقاذ لبنان ليس على جدول أعمالها، بل استغلال كارثته، لاستكمال تغيير وجهه، من جهة والاحتفاظ بالكرسي "المخلوع"، من جهة أخرى
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم