إعلان

لبنان بين برابرة الخارج وبرابرة الداخل

المصدر: النهار العربي
واشنطن- هشام ملحم
واشنطن- هشام ملحم
لبنانيون يحيون الذكرى الأولى لتفجير مرفأ بيروت
لبنانيون يحيون الذكرى الأولى لتفجير مرفأ بيروت
A+ A-
شارك المسؤولون الأميركيون والفرنسيون مئات الآلاف من اللبنانيين الذين أحيوا الذكرى الأولى لانفجار مرفأ بيروت، في انتقاداتهم القاسية للطبقة السياسية اللبنانية "الفاشلة" و "الفاسدة"، ودانوا رفضها إجراء تحقيق شفاف بالانفجار ومحاسبة المسؤولين، كما انتقدوا عجزها او رفضها تشكيل حكومة لوقف الانهيار الاقتصادي الشامل في دولة فاق فيها معدل البطالة الأربعين في المئة، ووصل فيها عدد اللبنانيين دون خط الفقر الى نحو ستين في المئة. 
 
الرئيس الأميركي جوزف بايدن الذي أعلن في كلمة مسجلة لمؤتمر الدول المانحة الذي نظمته فرنسا عن تقديم هبة للبنان بقيمة 97 مليون دولار كمساعدات إنسانية، ذّكر الطبقة السياسية اللبنانية بأن أي مساعدات خارجية لن تكون كافية "اذا لم يلتزم قادة لبنان القيام بالعمل الشاق والضروري لإصلاح اقتصادهم ومكافحة الفساد. هذا أمر جوهري، ويجب أن يبدأ الآن". بايدن أشار الى أن اللبنانيين عانوا الكثير بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية "التي كان بالإمكان تفاديها". الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعلن أمام المؤتمر أن فرنسا ستقدم للبنان مئة مليون يورو مساعدات إنسانية مباشرة للشعب اللبناني، وصف الطبقة السياسية بأنها "فاشلة"، واتهم زعماء لبنان  بالمراهنة على "استراتيجية المماطلة، وهو أمر مؤسف، وأعتقد أنّه فشل تاريخي وأخلاقي".
 
تصريحات المسؤولين  ومواقفهم،  في واشنطن وباريس وغيرها من عواصم الدول الغربية المعنية بمنع لبنان من الانهيار الكامل الى الفوضى السياسية والامنية والتفكك الاجتماعي، تعكس مشاعر إحباط غير معهودة تجاه فساد وتعنت الزعماء اللبنانيين الذين يعرقلون التحقيق القضائي في انفجار المرفأ، ويجهضون محاولات تشكيل حكومة جديدة إلا بشروطهم الأنانية. 
 
المسؤولون والمحللون الغربيون يحذّرون في تقاريرهم ودراسات مراكز الأبحاث (كما يفعل مراسلو كبريات الصحف الأميركية في بيروت) من أن المسافة بين لبنان والانهيار الاقتصادي-الاجتماعي الكبير قد تكون بضعة أسابيع فقط، وهو تقويم كرره العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أمام الرئيس بايدن حين زاره أخيراً في البيت الابيض.
 
هذا التقويم المتشائم عززته الاشتباكات الدموية الأخيرة في محلة خلدة بين عشائر سنّية وعناصر من "حزب الله" الشيعي، والاشتباكات بين عناصر "قواتية" وشيوعية يوم أمس في بيروت. هذه الاشتباكات تأتي على خلفية ازدياد معدلات السرقة بنسبة 62 في المئة، والارتفاع الملحوظ في معدلات الجريمة في الأسابيع والأشهر الأخيرة.
 
وبانتظار تشكيل حكومة جديدة في بيروت، سوف تقوم دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا بتوفير مساعدات إنسانية (أغذية وأدوية) يتم تقديمها مباشرة للمحتاجين اللبنانيين، وتفادي الأجهزة اللبنانية التي لا تثق بها هذه الدول. المؤسسة اللبنانية الرسمية الوحيدة التي ستساعدها هذه الدول هي مؤسسة الجيش، لأن هناك قلقاً اوروبياً-أميركياً حقيقياً من أن يؤدي تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية الى تفكك الجيش مع ما يعنيه ذلك من فلتان أمني يؤدي من جملة ما يمكن أن يؤدي اليه، الى  موجة لاجئين لبنانيين وسوريين باتجاه قبرص وجنوب أوروبا. في هذا السياق أعلنت قطر عن تقديمها سبعين طناً من المواد الغذائية شهرياً للجيش اللبناني. 
 
هذا الإحباط الغربي ينعكس على التنسيق السياسي المتزايد بين فرنسا والولايات المتحدة حول أنواع الضغوط التي يمكن أن تفرضها واشنطن وباريس وربما عواصم أخرى في الاتحاد الاوروبي ضد سياسيين ومصرفيين لبنانيين تشمل عقوبات من بينها حظر سفرهم الى هذه الدول، واحتمال الكشف عن ودائع الزعماء والمصرفيين اللبنانيين الذين نقلوا من لبنان الى المصارف الأوروبية ما تقدره بعض التقارير بنحو 20 مليار دولار منذ انتفاضة تشرين الأول (اكتوبر) 2019.
 
يوم أمس تطرق الناطق باسم الخارجية الأميركية نيد برايس الى هذا الاحتمال عند سؤاله عن ما اذا كان هذا الخيار وارداً، وما اذا كان لدى حكومته قائمة بأسماء من يمكن أن تطاولهم العقوبات. الناطق برايس قال إن العقوبات هي احدى الأدوات التي تدرس حكومته إمكان استخدامها للضغط على المسؤولين اللبنانيين "للقيام بالشيء الصحيح". وتابع الناطق: "هناك وسائل أخرى من أجل محاسبة المسؤولين عن الوضع". وتابع في اشارة ضمنية الى فرنسا "إن بعض أقرب حلفائنا استخدموا العقوبات والعقوبات أداة متوافرة لنا كذلك... ونواصل النظر في كل شيء يمكننا فعله لتقديم المساعدة الإنسانية الملحة والاستقرار والأمن وعلى المدى الأبعد الازدهار الذي يفتقده الشعب اللبناني منذ وقت طويل". 
 
وتلمّح مصادر مطلعة على الاتصالات الأميركية-الفرنسية بهذا الصدد الى أن إذا اخفق الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في تشكيل حكومة خلال الأسابيع القليلة المقبلة بسبب عقبات أو شروط تعجيزية من شخصيات سياسية نافذة، عندها يصبح خيار فرض العقوبات واقعياً وضرورياً. 
 
نزول مئات الآلاف من اللبنانيين الى الشوارع والساحات والى منطقة المرفأ المدمرة في تظاهرات سلمية الى حد كبير تستنكر فساد طبقة سياسية – أوليغارشية مفترسة  وظلمها، سوف يمثل غطاء اخلاقياً شعبياً لأي عقوبات دولية تفرض على أفراد هذه الطبقة.
 
منذ نحو نصف قرن، شهد لبنان حرباً أهلية، اعقبتها تشنجات دموية عديدة، كما تعرض لبنان الى الاستغلال والتخريب والاجتياحات العسكرية من سوريا وإسرائيل وإيران وعملاء هذه الدول في لبنان. ولكن حتى خلال هذه الفترات المظلمة التي تخللها اغتيال سياسيين ورجال دين ومثقفين وصحافيين، لم يختبر اللبناني المجاعة ولم يحرم من الأدوية، ولم يتعرض للإذلال الجماعي والشخصي على أيدي برابرة الخارج، كما يتعرض الآن على أيدي برابرة الداخل من الذين نصبّوا أنفسهم أولياء أمره.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم