إعلان

ملاحظات قصيرة في دفتر صغير

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
مرفأ بيروت المدمر
مرفأ بيروت المدمر
A+ A-
ليس من السهل الحديث عن "أشياء أخرى" بينما يتنفس "الانفجار" في بيروت ويتمدد منذ سنة كاملة، تبدّد الصوت وسكنت موجة الهواء العاتية التي حملته، ولكنه يهدر الآن كاملاً في ذاكرة الناجين، يصعد من بوابة الميناء والجدران الواقفة لصوامع القمح، ويسعى في شوارع المدينة والمنطقة بهيئته الجديدة من دون غبار حرائق، الخوف والعتمة والحزن.
 
الأشياء الأخرى التي تتكدّس خلف الملاحظات في الدفتر الصغير ضرورية، ولكنها تتردد أمام الكتابة عن "سنة بعد انفجار ميناء المدينة"، سنة طويلة من نفاد الحياة وانتظارها.
ستبدو، مثلاً، ملاحظة إلغاء المادة "22" من مدوّنة السلوك في الوظيفة العمومية، وهي المادة التي تؤكد حق الموظف في حرية الرأي والتعبير، ما يعني منع موظفي القطاع العام في السلطة الفلسطينية من نقد أداء الجهات الرسمية تحت طائلة العقوبة، أمر يمكن تأجيله، رغم غرابته وسوء التقدير والنية الذي يتضمنه، وقصر النظر الذي جاء به، بما فيه تناقضه مع القانون الأساسي الذي يضمن هذا الحق. قرار حكومة شتية جاء ليستكمل قرار حكومة "الحمد الله" السابقة حل نقابة الموظفين العموميين والتنكيل برئيسها، وجاء ليواصل التضييق على حرية التعبير وعمليات القمع والتهديد وحملة الاستدعاءات التي أعقبت جريمة قتل نزار بنات.
 
أغلقت الحلقة وضاقت على هذه الشريحة الواسعة، بلا نقابة ومن دون حرية الاعتراض يذهب أكثر من 140 ألف موظف فلسطيني الى أشغالهم بصمت، بمن فيهم الأطباء ونقابتهم التي تخوض نضالاً مطلبياً في شروط مكافحة انتشار الوباء، كذلك الكتلة الأكثر حيوية "المعلمين/ات" واتحادهم وقائمة مطالبهم المعيشية غير المتحققة، ولكنهم يستطيعون التنفس والحصول على الراتب في نهاية الشهر، موضوع الراتب ليس مؤكداً، فالأمر مناط بالخصومات التي يقررها الاحتلال من قيمة الضرائب التي يحصلها لمالية السلطة.
 
كان يمكن التوقف عند ملاحظة استقالة عمر موسى من رئاسة مجلس أمناء "مؤسسة ياسر عرفات"، بعد تعذر عقد اجتماع المجلس بحضور ناصر القدوة الذي أشرف على بناء المؤسسة والمتحف، وترأس مجلس إدارتها وقاد أنشطتها، قبل إقالته بمرسوم رئاسي، من دون الرجوع الى مجلس الأمناء صاحب الشأن. بدت عملية الإقالة كملحق لخلاف تنظيمي وسياسي لا علاقة لياسر عرفات أو مؤسسته به، موسى ختم استقالته بجملة: "حمى الله قضية العصر، القضية الفلسطينية، من أعدائها ومن أهلها على حد سواء"، ما منح الاستقالة شبهة الشروع في مرثية.
 
في ملاحظة أخرى، كان يمكن تأمل صورة عضو اللجنة التنفيذية المبتهج، مع مجموعة من الإعلاميين الإسرائيليين أمام مقر منظمة التحرير، غير بعيد عن "المقاطعة" في رام الله، وفداحة الإجابات التي سيّلها، حول الديموقراطية وقوة النظام السياسي، ويمكن تبين سوء التوقيت والفئة المستهدفة وسوء اختيار المكان والأشخاص.
 
يمكن الوقوف طويلاً عند تصريحات زياد النخالة، الأمين العام لـ"حركة الجهاد الإسلامي"، واستنتاجه اليقيني بأن كل ما يثار حول المصالحة بين "فتح" و"حماس" مجرد عبث سياسي، إذ لا مكان للمصالحة بين الحركتين وبرنامجيهما المتناقضين، كذلك قلقه من تآكل مكتسبات المواجهة الأخيرة مع الاحتلال. النخالة المطل على كواليس المصالحة وجولات الحوار الوطني واجتماعات الأمناء العامين من موقعه القوي، أغلق أبواباً كثيرة، وضيق الفرص أمام حيل المتصالحين ومناوراتهم المكلفة في شراء الوقت.
 
أبعد من ذلك يمكن مراقبة العرض المتواصل في بحر عمان والخليج العربي، الصعود على الناقلات وتفتيش البحارة وخرائط الرحلات، قصف السفن وقطرها الى موانئ تتخفى في الزمن، الحوادث التي تستدعي مخيلة القراصنة وتعيدها الى هذه البحار حين كان بحارة يصلون من الساحل العماني الى المياه العميقة حيث يتراصف أسطول البرتغاليين، أو المواجهات المتجددة في درعا.
 
المعارك المنتشرة بين الحروب، نظرية المعركة بين حربين التي تسيطر على كل شيء في الإقليم، الموت المؤمّن المدروس الذي ينتهي عند أطراف الجثة، كما لو أنه ابنها، ولا يذهب أبعد.
سياسة "العتبة" التي تعبث في المنطقة، عتبة الدولة النووية في إيران، عتبة "الحرب" الإقليمية، عتبة "انهيار" الدولة في سوريا، عتبة تفكك لبنان، وعتبة التلاشي الأخير لمنظمة التحرير.
خط الهاوية الطويل الذي يمشي فوقه الإقليم.
الملاحظات بعشوائية حدوثها تتدافع بالأكتاف في الدفتر الصغير وتتبدد لتعود بهيئات جديدة. ليس ثمة طريق جانبي لتفادي بيروت، وأنها موجودة في كل هذا وفي كل مرة بهيئاتها المتعددة وقدرتها على الدخول في المشهد، لا تستطيع الذهاب الى العالم من دون المرور على المدينة التي تحطمت الآن، ثمة ما يجعل من ذلك الحطام نوعاً من التأمل العميق في مصائر المدن العظيمة، حين في أقصى التأمل تتحول الذاكرة نبوءة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم