إعلان

الفرار الكبير

المصدر: النهار العربي
راغب جابر
راغب جابر
شباب لبنانيون يغادرون وطنهم
شباب لبنانيون يغادرون وطنهم
A+ A-
أهل المشرق العربي وأهل المغرب سواء في ظاهرة الهجرة. عشرات الملايين من أبناء لبنان وسوريا والأردن والعراق واليمن ومصر والسودان وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والصومال، وأخيراً ليبيا ... وفلسطين كحالة خاصة، يعيشون في أربع زوايا الأرض من الأرجنتين على حدود القطب المتجمد الجنوبي الى النرويج وفنلندا وحتى أيسلندا وكندا على حدود القطب المتجمد الشمالي، مروراً بكل أوروبا وأميركا الجنوبية واللاتينية والوسطى وأفريقيا والقارة الأوقيانية في أقصى المعمورة... وربما تمتد حدود هجرتهم الى بلاد الأسكيمو إذا وجدوا اليها سبيلاً.
 
الهجرة العربية في الغالب هجرة قسرية تعددت أسبابها، لكن تبقى الأوضاع الاقتصادية المحرك للرئيس لها، تضاف اليها الرغبة الشخصية أحياناً وممارسات القمع التي تمارسها الأنظمة العربية وغياب الحرية، وكذلك هجرة الطلاب للدراسة وتفضيلهم البقاء في بلاد تحترم كفاءاتهم وتقدر علمهم ونستفيد منه. وغير ذلك من أسباب خاصة ببعض الأفراد. 
 
هذه مقدمة للانتقال الى الحديث عن الهجرة اللبنانية، لا سيما في الزمن الحالي. فلطالما اعتمدت السلطات اللبنانية منذ الاستقلال عام 1943 خطاباً واحداً تجاه الهجرة، معتبرة إياها إعجازاً لبنانياً فريداً يثبت عبقرية اللبناني وفرادته وتميزه، مستعينة بنماذج نجحت في حقول المال والأعمال والتجارة والسياسة، لا سيما في المغتربات القديمة في أميركا ثم في أوروبا لاحقاً، ومتجاهلة البؤس الذي تعيش فيه آلاف العائلات المهاجرة والملايين الذين ضاعوا في مجاهل الأرض ولم يجدوا ثمن بطاقة سفر يعودون بها الى وطنهم.
 
أوائل المهاجرين اللبنانيين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين هاجروا الى القارة الأميركية خصوصاً، هرباً من القمع والجوع وانعدام فرص العمل، وعلى طريقهم سلكت أفواج متلاحقة من المهاجرين  فأصاب بعضهم ثروة وواصل آخرون معاناتهم وجوعهم بعيداً عن أعين الأهل والجيران والأصدقاء في لبنان.
 
ما زال اللبنانيون يهاجرون بكثافة، ككل العرب المذكورين في المقدمة، وما زالت السلطة متمسكة بخطاب خشبي قديم وممجوج يتغنى بلبنان المقيم ولبنان المغترب، فيما الأحرى بأي سلطة أن تخجل من كون أبنائها يفضلون صقيع كندا أو حر أفريقيا على بلدهم الجميل المعتدل المناخ. هذه السلطة التي لا يعني لها المهاجرون أكثر من مورد نهب.
 
اللبنانيون في واقع الأمر كغيرهم من شباب العرب، لا يهاجرون حباً بالهجرة. إنهم يفرون فراراً. المغاربيون والمصريون... يفرون بزوارق الموت واللبنانيون يفرون بالطائرات بعدما فشلوا في تجربة البحر الخطيرة.
 
يفر اللبنانيون هرباً من الفقر والجوع، والأخطر، من اليأس وانعدام الأمل. لا شيء على الإطلاق في البلد يوحي بتغيير، وطالما لا تغيير فالزورق غارق لا محالة، فليقفز من يستطيع القفز ويجرؤ عليه. لا يختلف هنا اللبنانيون بين غني وفقير، كلهم يفرون أو يسعون الى الفرار. الغني لإدارة أمواله واستثمارها في الخارج والفقير للكدح من نقطة الصفر فإما يحالفه الحظ فينجح أو يحاول فيموت معذوراً.
 
في مطار بيروت مشهد واحد في قاعتي الوصول والمغادرة، مشهد يتكرر كل صيف. ازدحام الواصلين وازدحام المغادرين. المغادرون في جزء كبير مهم هم مغادرو فرار قد يكون هجرة نهائية. هجرة لم تعد مقتصرة على الساعين الى عمل بسيط، بل أصبحت تشمل كوادر مهنية عليا وأصحاب مصالح ونخباً علمية.
 
وأما العائدون فهم مهاجرون قدماء فروا في يوم من الأيام، كما كان يحدث أثناء الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته عندما "اجتاح" آلاف الشباب اللبنانيين دولاً أوروبية عبر البر والبحر والجو، وعانوا في طريقهم اليها الأمرين وعاشوا أذلاء في مخيمات اللجوء قبل أن تشفق عليهم هذه الدول بعمل وشقة سكنية متواضعة كانت في حينها تساوي قصراً في بلد مدمر وطارد. أو هاجروا قبل ذلك وبعده الى أميركا وكندا وأفريقيا وأستراليا في ظروف مشابهة.
 
هؤلاء العائدون عودة موقتة، وهم فارون في يوم من الأيام، تبتهج بهم السلطات الحاكمة وتنتظرهم على أحر من الجمر ليضخوا بعض المال الصعب في شرايين البلد المفلس، لكنها، وهي تخال نفسها تضحك عليهم، تدفعهم دفعاً الى الفرار من جديد. ربما الى غير رجعة. هؤلاء لم يعودوا إلا حنيناً لأهلهم أو لإنجاز مهمة. فليس في البلد ما يغريهم. هل طوابير السيارات أمام محطات البنزين؟ أم الكهرباء المقطوعة؟ أم الغلاء الذي لا مثيل له؟
 
أم خطابات السياسيين ومؤتمراتهم وخناقاتهم "الولادية" وعصبياتهم التي عفّى الزمن عليها في بلدان العالم المتحضرة؟ أم فرص الاستثمار الموعودة في السفينة المثقوبة؟  لا، لا شيء يغري.
إنه الفرار الكبير. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم