إعلان

"المحكمة الخاصة بلبنان": وما لها وما عليها و...علينا

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
الانفجار الذي أودى برئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط 2005.أف ب
الانفجار الذي أودى برئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط 2005.أف ب
A+ A-
يسترعي الإنتباه التفاعل السريع لرئيس حكومة تصريف الأعمال حسّان دياب، مع إخطار "المحكمة الخاصة بلبنان" المجتمع الدولي بالتوقف عن العمل في آخر تموز (يوليو) المقبل، في حال لم يتوافر لها التمويل اللازم، ولكنّ انكفاء بعض المجموعات السياسية، تتقدمها تلك التي كانت تأتلف في "قوى 14 آذار"، عن هذا الموضوع وتأخّر بعضها الآخر ...مفاجئ!
 
وقد برز دياب الذي أتى إلى منصبه الدستوري مدعوماً من قوى حاربت تشكيل هذه "المحكمة"، وثابرت على التهجّم عليها، بحجج عدة من بينها الحديث عن كلفتها الباهظة واتهامها بأنّها "أداة صهوينية واستعمارية"، مدافعاً عن استمراريتها ليس بصفتها أداة لإنصاف الضحايا وحماية الأحياء فحسب، بل بصفتها رمزاً من رموز جدوى العدالة الدولية، أيضاً.
 
إنّ تحرّك دياب لمصلحة استمرار هذه المحكمة، على أهميته المعنوية، لن يقدّم ولن يؤخّر، فلبنان، بموافقة دولية، لم يعد يملك القدرة على دفع متوجّباته التي تشكّل 49 بالمائة من الميزانية السنوية، في حين أنّ الدول التي توقفت، بشكل متزامن، عن دفع ما كانت تدفعه، لن تسمع لدياب، هذه المرّة، بعدما كانت قد صمّت آذانها عنه، منذ وصوله الى السراي الكبير.
 
ولم يقم لبنان الرسمي، قبل دياب ومعه، بأدنى الواجبات الملقاة على عاتقه، حتى يعطي "المحكمة الخاصة بلبنان" قيمة تعينها على استمرار جذب التمويل، فهو انكفاً عن واجب توقيف، ولو مطلوب واحد، راضخاً، في ذلك لتهديدات "حزب الله"، كما أنّ زخم مساهماته التحقيقية تراجع كثيراً مع اغتيال الرائد وسام عيد، لينتهي كليّاً مع اغتيال اللواء وسام الحسن، ذلك أنّ من خلفهما في مركزيهما، لم يفضّلا السلامة على الحقيقة، فحسب بل راعيا الظروف السياسية اللبنانية التي استجدّت، أيضاً.
 
وهذا النهج اللبناني في التعاطي مع "المحكمة" أًرفق بتنسيق سياسي رفيع المستوى بين الجهة التي ترعى المتّهمين وتحميهم وتحصّنهم والمنسوب إليها اغتيال عيد وحسن، وبين الجهة التي سعت إلى قيام المحكمة.
 
وعندما أعلنت المحكمة عن توجّه جدّي لإقفال أبوابها، لم تحرّك غالبية الجهات التي كانت تريد قيامها أيّ ساكن، بل تعمّد بعضها أن يتجاهل هذا الحدث، وأخّر بعضها الآخر التفاعل الذي اقتصر على تدبيج بيان إعلامي.
 
وهذا السلوك مفهومة خلفياته، فهذه القوى، ولو لم تكن تنوي أصلاً الذهاب في التنفيذ إلّا إلى مائدة المساومة السلطوية، إلّا أنّ الحكم الذي صدر في ملف اغتيال الرئيس رفيق الحريري أصابها بصدمة غير مبرّرة.
 
هي صدمة غير مبرّرة، لأنّ سقف الحكم الذي صدر كان منتظراً، على اعتبار أنّ الحكم يستحيل أن يقفز إلى مستوى أرفع من مستوى المتّهم سليم عيّاش، لأنّه محكوم بسقف القرار الإتّهامي الذي كان يعرفه الجميع، بداية وبإعلان وفاة مصطفى بدر الدين، لاحقاً. 
 
والمحاكمات لا تكشف جديداً، بل هي تتعاطى مع ما هو معلوم في الملف.
ومن كان ينتظر أن تصل المحاكمة، في ظل هذه المعطيات، الى أعلى من سقف عيّاش، إمّا كان مأخوذاً بالأساطير "التخمينية"، وإمّا اصطنع صدمة لتبرير المثابرة على انتهاج مسار يُرضي الطرف الذي ينتمي إليه المحكوم عليه.
 
وفي هذا الإطار، لقد لوحظ أنّ الحكم ضد سليم عيّاش، الذي وصفه "برنامج المكافآت من أجل العدالة" التابع لوزارة الخارجية الأميركية ب "الناشط البارز في الوحدة 121 التابعة لحزب الله" لم يحرّك "سكون" علاقات الأطراف اللبنانية، على مختلف توجّهاتها، مع "حزب الله" الذي مدّد سيطرته على البلاد ومتّنها، ونُسبت إليه مجموعة جديدة من الإغتيالات، من بينها اغتيال المفكّر السياسي والناشط التغييري لقمان سليم الذي يلاقي ملفه مصير ملفات سمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل وانطوان غانم ووليد عيدو ومحمّد شطح وغيرهم الكثير.
 
وقد يكون هذا النهج من أبرز الأسباب التي دفعت الدول التي كانت تموّل "المحكمة" الى التوقف عن ذلك، على اعتبار أنّ العدالة التي لا تملك قوة تنفيذية هي عاجزة أمام الظلم الذي تولّده القوة التي تستبيح العدالة.
 
وبالمفهوم العام، لم يعد يُرجى أن توفّر استمرارية "المحكمة" أيّ جديد، فهي في ملف الحريري تنظر في استئناف مكتب الإدّعاء العام ضد إعلان براءة متهمين إثنين أقلّ شأناً في تراتبية "حزب الله" من سليم عيّاش، وهما حسن مرعي وحسين عنيسي، كما أنّها في ملفات اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال الياس المر ومروان حماده، لا تحاكم سوى عيّاش الصادرة بحقه خمسة أحكام بالسجن المؤبّد في قضية الحريري، من دون أن يحاول أحد تنفيذها أو يمارس ضغوطاً حقيقية، في هذا الإتجاه.
 
وفي الأساس لن تحظى هذه المحكمة بولاية "أبدية" حتى يتسنّى لها، في الوقت والظرف المناسبين، تجميع ما يكفي من أدلّة ضد سائر المتورطين من منفّذين ومشاركين ومموّلين ومحرّضين. 
 
وكان مقدّراً أن تساعد هذه المحكمة السلطة القضائية اللبنانية، حتى يأتي يوم تتمكّن فيه من تولي ملفات مماثلة، لكن، مع تقدّم السنين، بدل أن يتطوّر القضاء في لبنان تدهورت أحواله حتى يكاد أن يصل الى ما دون الحضيض.
 
ودفع لبنان لهذه المحكمة حتى "إفلاسه" 317 مليون أورو، في حين دفعت نحو 350 مليون أورو أكثر من 28 دولة من بينها الولايات المتّحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وتركيا والمغرب والكويت والمملكة العربية السعودية التي كانت تصرّ على إبقاء اسمها طي الكتمان، رسمياَ.
 
ولو أنّ هذه الدول لم تتّخذ قراراً متزامناً بوقف التمويل، لكان يمكن للمحكمة أن تواصل أعمالها، من دون التمويل اللبناني، لأنّ إدارة المحكمة قلّصت نفقاتها، بنسبة تقارب النسبة التمويلية التي بات لبنان عاجزاً عن توفيرها.
 
ولكن، ومهما كانت عليه الأحوال، لا يمكن للمحكمة أن تُقفل أبوابها، فجأة حتى لو أوقفت النظر في القضايا العالقة أمامها، بل يفترض أن تعمل على خلق كيان قانوني مهمته أن يسهر على حسن متابعة مجموعة من الأمور الملحّة، ومن بينها الإستمرار في تنفيذ برنامج حماية الشهود، ورعاية السريّة التي كانت قد منحتها لعدد من المصادر الحسّاسة.
 
وهذا يقتضي توفير ميزانية للمحكمة حتى تُنشئ هذا الكيان، على غرار ما حصل قبيل إقفال المحكمة الخاصة بسيراليون.
 
إرث "المحكمة"
إنّ "المحكمة الخاصة بلبنان"، ولو أنّها تركت طعماً مرّاً، تحت لسان "متذوّقي العدالة"، بسبب الفارق الشاسع بين ما فعلته وبين ما كان مأمولاً منها، إلّا أنّها، بالمحصلة، قدّمت للبنانيين وللعالم، رواية رسمية مصدّقة ومصداقاً عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وقرارات اتهامية في جرائم اغتيال حاوي ومحاولتي اغتيال المر وحماده.
 
صحيح أنّ المستخفّين بهذه النتيجة يعلنون أنّ أحداً لم يكن بحاجة الى المحكمة لمعرفة هذه الحقيقة "المعروفة منذ اللحظة الأولى"، ولكن الصحيح أكثر أنّه على الرغم من "القناعات الشعبية" حيال مجموعة واسعة من الإغتيالات، فإنّ أيّ لبناني لا يملك القدرة على التأشير الموثوق الى الجهة الإرهابية المتورّطة.
ولبنان، يعاني من عوارض الهوّة التي تفصل القناعات الشعبية عن الحقيقة القضائية، حتى إنّه وصل الى مرحلة باتت فيها الفضيحة وكل أنواع الجرائم مجرّد "وجهة نظر" و"استهدافاً مغرضاً" و"افتراء مدفوع الأجر" و"حرباً ناعمة" و"عمالة صهيونية".
 
إنّ "المحكمة الخاصة بلبنان"، ولو كانت نتائجها متواضعة نسبياً، إلّا أنّها، أقلّه في ملفات الحريري وحاوي والمر وحماده، أخرجت الجريمة الإرهابية من خانة وجهة النظر ووضعتها في خانة الحقيقة الرسمية التي لا يمكن لحكم التاريخ، ولو تواطأ الحاضر، أن يتجاهلها.
 
وفي مطلق الأحوال، فإنّ "المحكمة الخاصة بلبنان" أعطت المجتمع الدولي درساً في طريقة التعاطي لاحقاً مع مفهوم العدالة، فالشعوب لا تلجأ الى القضاء الدولي، لأنّ القضاة الذين يختارهم أفضل من القضاة المحليين، بل لأنّ هذه الشعوب تعتقد أنّ هذا القضاء متحرّر، قانونياً وجغرافياً ومالياً وأمنياً، من سطوة الإرهابيين.
 
هذا الإعتقاد لم تتم مراعاته مع الشعب اللبناني عند تشكيل المحكمة، فمجلس الأمن، عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة، كبّل المحكمة الخاصة بلبنان" قبل أن تلفظ إسم أوّل متهم أمامها، إذ إنّه منعها من ملاحقة الدول والمجموعات، وحصر صلاحياتها بالأفراد.
 
وقد أرفد تحصين الدول والتنظيمات بقوة أعانتها على تمديد نفوذها السياسي والعسكري والأمني، وتالياً على حماية الأفراد المتّهمين، سواء بحظر الوصول إليهم، أو بإخفاء الأدلة، أو بالتلاعب بها، أو بترهيب الشهود.
 
إنّ "منطق الصفقة" يصلح في كثير من المسائل، ولكنّه متى اقتحم صرح العدالة يُفسده ليفسد معه كلّ شيء بما في ذلك أصدق القضايا وأغلى الدول.
إنّ نظرة معمّقة الى واقع لبنان وكل ما يتصل به، تُقدّم ما يكفي من أدلّة تدميرية أنجبها "منطق الصفقة".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم