إعلان

لبنان .. مطرقة "الحزب" وسندان الفساد

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
مصنع لتصنيع المخدرات
مصنع لتصنيع المخدرات
A+ A-
كنت في زيارة للبنان عندما دعاني بعض الأصدقاء الى زيارة منطقة البقاع. فاجأني في هذه الزيارة أن المنطقة بدت وكأنها خارج السياق اللبناني المعروف. فبيروت وصيدا وطرابلس وغيرها من المدن الحضرية التي أسعد بزيارتها والاستمتاع بجمالياتها ورقي أهلها، لا تشبه شكلاً ولا روحاً طبيعة البقاع حيث يعيش الناس في عالم آخر يحكمه سلاح "حزب الله"، والحضور السوري، والأعراف العشائرية. وإذا طُلب مني وقتها أن أصمم شعاراً للمنطقة فسأرسم الكلاشنيكوف متقاطعاً مع غصن شجرة القنب على خلفية صفراء. 

زعران وملال
وبقدر ما طاب لي اللقاء مع من تعرّفت اليهم من أصدقاء وأسرهم، واستمتعت بكرمهم وتلقائيتهم، بقدر ما أحزنني حاجة كل بيت الى مخزن سلاح وذخيرة. فبعد عقود الهيمنة العسكرية السورية، بكل ظلمها وقسوتها، نزلت عليهم طامة الحزب بكل تسلّطه وعقائديته وتناقضاته. 

هناك "الزعران" الذين أثروا من تجارة البارود والتهريب والمخدرات، خرجوا من إمرة سيد الى آخر، ومن تجارة محرمة الى أخرى. ولكن أكثر الناس ضحية البيئة والجغرافيا والتاريخ. فموقعهم على الحدود مع جار سوء منذ حكم العسكر، وعلى تقاطع مسارات التهريب، وأرضهم الخصبة وخبراتهم الزراعية والقتالية، وإهمال العاصمة لهم تنموياً وتعليمياً، وبعض مكوّنات الموروث العشائري، تكالبت كلها لتحوّل منطقتهم الى أحد أكبر مراكز إنتاج الحشيش في المنطقة، وأحد أهم خطوط التهريب من تركيا، ومن أفغانستان عبر إيران والعراق وسوريا، الى البحر الأبيض المتوسط. ووفرت أذرع الحزب الحماية والتنظيم والاستثمار والتوزيع على النطاق المحلي والإقليمي والدولي. 

وهكذا انتقل "الزعران" من سرقة السيارات والبيوت وخطف الرهائن لطلب الفدية وقطع الطرق وتهريب السلاح في عهد الاحتلال السوري، ليصبحوا من كبار المزارعين والصناعيين ورجال الأعمال في عهد الولي الفقيه، وحوّلوا بلداً بأكمله من سويسرا الشرق وحاضرة الثقافة العربية، الى بوادي إيران وأفغانستان. 

استهداف العرب
واليوم، وبعدما أعلنت السعودية والكويت واليونان وإيطاليا عن ضبط شحنات بالأطنان من منتجات الحزب الإيراني، عبر لبنان أو مباشرة من إيران، يتضح للعالم مرة أخرى حقيقة ادعاءات قدسية الملالي وطهارة المقاومة. فالسعودية وحدها كشفت عن 600 مليون حبة كبتاغون في ست سنوات، بمعدل 100 مليون في العام، تكفي لإغراق العالم العربي كله وتغييب عقول أبنائه واستنزاف صحتهم وأموالهم، وضبطت الكويت أطناناً من الكبتاغون داخل أسماك الهامور المستورد من إيران. وهكذا حال بقية دول الخليج التي قررت تباعاً وقف استيراد المنتجات التي تستخدم في التهريب، من الخضروات والفواكه والأسماك. وللأسف فإن أكثر المتضررين هم الأبرياء من المزارعين والتجار المبتلين بحكم الملالي في البلدان العربية، ومن بينها العزيز لبنان.
 
فما ذنب المزارع الذي يشقى العام كله من أجل موسم حصاد لا يجد له سوقاً، والتاجر الشريف الذي خرب المهربون عليه تجارته؟ وما جريرة عمال النقل والشحن والموانئ الذين فقدوا وظائفهم؟ وماذا فعل رجال الأمن والجمارك والمنافذ البرية والبحرية والجوية الشرفاء ليخسروا سمعتهم بسبب قلة من الفاسدين والمنتفعين في قياداتهم وصفوفهم؟

آفة النّسيان
يعيب العقل العربي النسيان في ما يستوجب  التذكر، والاستذكار في ما يستوجب التناسي. وحالة "حزب الله" مثال حي على الخلط في ذاكرة الأمة. فعندما رفع الحزب شعار المقاومة لإسرائيل وحقق بعض الانتصارات على الأرض فانسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، احتفلنا به وصفقنا له، وتجاوزنا عن خطفه الطائرات والرهائن واعتدائه على السفارات واللاجئين الفلسطينيين بعد تأسيسه.

ولما تحدى إسرائيل في 2006 تجاهلنا حقيقة أنه من استفز العدو واستجلب نيرانه بخطف جنوده وقتلهم. كما قلبنا صفحة اغتياله الرئيس الحريري في 2005 وحملة الاغتيالات التي سبقت وتلت لأصحاب الأقلام الحرة والعقول المستقلة من الكتاب والإعلاميين والمثقفين. 

واستيقظنا ذات يوم على احتلال "القمصان السود" بيروت والجبل في 7 أيار (مايو) 2008، لترويع كل من يتجرأ على انتقاد الحزب أو المطالبة بسحب سلاحه أو إيقاف سيطرته على المطار وشبكة الاتصالات. 

ولاية الفقيه
وأخيراً استعدنا الذاكرة وربطنا ماضي الحزب بحاضره، وتذكرنا أنه قام أساساً كفرع للحرس الثوري في لبنان، ومهمته، كما أعلن أمينه العام حسن نصر الله بوضوح، تحويل البلد ولاية تابعة للولي الفقيه، وأن المساعدات الإيرانية لم تكن موجهة للحكومة أو الشعب، بل للحزب وأتباعه ومناطقه حصرياً. فإيران تقدم معدل 200 مليون دولار سنوياً من السلاح والمال للحزب، الذي يقوم بتنفيذ الأجندة الفارسية في المنطقة، من حروب بالوكالة وإرهاب وفتن طائفية.

وبحسب تقرير قناة "روسيا اليوم" الحكومية، لم تقدم طهران لحكومة لبنان إلا الوعود، فلا وارادات ولا استثمارات ولا تحويلات مغتربين. وأضيف هنا، أن العكس هو الصحيح، فخمس دخل أتباع الحزب يصبّ في جيوب ملالي إيران. 

 يأتي ذلك مقابل 70 مليار دولار مساعدات حكومية سعودية منذ عام 1980، لا تدخل فيها الاستثمارات الخاصة وتحويلات المغتربين في السعودية التي بلغت 4 مليارات دولار من قرابة 400 ألف مقيم، ومردود السياحة والصادرات الزراعية والصناعية. وهذا فقط ناتج العلاقة مع السعودية، ولا يشمل بقية دول الخليج العربية. 

مافيا دوليّة
ولتمويل هذه المشاريع الإرهابية الواسعة، يدير الحزب أكبر شبكة لزراعة  المخدرات وتصنيعها وترويجها في الشرق الأوسط، بحسب مصادر فرنسية وأميركية. كما كشف الاتحاد الأوروبي ودول خليجية وآسيوية وأفريقية ولاتينية عن شبكة تجارة مخدرات وبشر وسلاح وغسيل أموال دولية يديرها قياديون، وتم إيقاف العديد من المتورطين فيها ومحاكمتهم وإلغاء شركاتهم ومكاتبهم الوهمية. 
 
نحن إذاً أمام ميليشيا ارتكبت من الجرائم ما يكفي لرفع قضية أمام المحاكم الأممية ومجلس الأمن تجرّم هذا الحزب ومن يدعمه في إيران، وتضع قياداته جميعها وليس من تم كشفهم فقط ،على قوائم الإرهابيين والمطلوبين للعدالة الدولية. 

ولعل الخطوة الأولى تبدأ في الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بتصنيف الحزب إرهابياً، وتنسيق الجهود الأمنية لمكافحة أنشطته، وتبني حملة ضده في المحافل الدولية. 

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم