إعلان

الجِمال تطير بأجنحة في السودان!

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
الحركة الشعبية في السودان
الحركة الشعبية في السودان
A+ A-
خارج عن المعقول، هو تلك المسيرة السياسية في السودان حتى اليوم. البعض يريد أن يرى الجِمال تطير بأجنحة وهو المستحيل. لقد خسر السودان أكثر من نصفه (جنوب السودان) بسبب اللامعقول السياسي وهو "طيران الجِمال"! وربما يفقد شيئاً كثيراً بسبب اللامعقول السياسي القادم إن تحقق، وأقصد في الشق الثاني الموافقة على طلب "الحركة الشعبية - شمال" بفصل الدين عن الدولة والنص على ذلك في الدستور المزمع إعلانه للسودان الجديد.
 
جعفر النميري في بداية ثمانينات القرن الماضي عندما أفلس النظام المرتكز عليه، قفز الى ما يسمى قوانين أيلول (سبتمبر) 1983 والتي جرّت السودان شيئاً فشيئاً إلى صراع داخلي مرير، وألقت به في أحضان "الحركة الإسلامية" على فقر تصوراتها السياسية، وكان ذلك هرباً من مواجهة المطالب الحياتية والتنموية للسودانيين، وقفزة في اللامعقول، أخذت السودان بعد ذلك الى حكم الإنقاذ بعد أن هيّأ لها النميري الطريق، فاعتقدت أن حزباً إسلامياً، كما تخيلوه، هو المنقذ للسودان، وكان ذلك فراراً مرة أخرى من المتطلبات الصعبة والمطلوبة لتنمية السودان.
 
ذلك أوصل السودان ليس الى حرب أهلية ضروس، حاربت فيها الملائكة مع نظام البشير كما كان يُروج في مساجد الخرطوم والتي حضرت إحداها، بل أخذ النظام على عاتقه شن حرب عالمية باحتضان التشدد من الحركات الإسلامية وإطلاقهم لزرع المتفجرات في مقار السفارات الأجنبية، بل والذهاب الى بحر العرب لتدمير القوة البحرية الأميركية! الأمر الذي جعل السودان في الحكم الجديد يدفع من خزينته المتواضعة تعويضاً بملايين الدولارات للولايات المتحدة. بالطبع انتهى ذلك الفصل بتقسيم السودان، وكاد أن يقسم الباقي من خلال حركات مسلحة ما زال بعضها متمسك بسلاحه. تلك المعضلة في الفرار السياسي القفز عما هو مطلوب الى ما هو متخيل في اعتناق أيديولوجيا دينية لتسيّر المجتمع وهي التي أوقعت السودان في الهاوية والشعب السوداني في مأزق.
 
الآن يكمل السودان دورة كاملة بعد أن فقد فرص النمو في العقود الخمسة الماضية وتبني نظام شبه كهنوتي منفصل عن العصر، صممت له قوانين "قراقوشية" على أنها من الشريعة الإسلامية، وأراد بكل فخر وبقوة السودان المحدودة أن يحارب العالم. فرح العالم والعرب بالتغير الذي حصل في السودان أخيراً، بعد كل ذلك التضييع للموارد وبعد كل تلك الدماء، ولكن من جديد، وعلى الرغم من انحيازي للدولة المدنية، فإني أرى في تحقيق مطلب "الحركة الشعبية" (شمال) في النص بفصل الدين عن الدولة في الدستور المقبل، وهو نظرياً غير مطبق في أي مكان الا في عقول الحالمين، أرى أن هذا المطلب يماثل في النتائج قوانين النميري "السبتمبرية" إياها، أي فرض تصور أيديولوجي على مجتمع تطور دينياً من خلال جماعات صوفية لها جذور وتقاليد عميقة في مجمل النسيج الاجتماعي.
 
لماذا يماثل قوانين النميري؟ لأنه سوف يتيح فرصة مناسبة للمزايدة السياسية والتي سوف تلقى ترحيباً بسبب تعاظم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية من قوى سودانية وأيضاً من خارج السودان، ومن هناك تعود الدورة السودانية من جديد في حلقة مفرغة من الانقلابات وحكم العسكر والانقلابات المضادة. ورغم أن البعض قد استبشر بموافقة المسؤولين الحاليين على فكرة فصل الدين عن الدولة، إلا أن وضعها بهذا الشكل سيكون مدخلاً للقوى المحافظة والتي لا تزال نشطة في السودان لمحاولة تسفيه الفكرة واستخدام المخزون الثقافي الضخم ضدها، وتحول السياسات في السودان من الاهتمام بالتنمية المستحقة الى صراع فئوي وعبثي يدخل السودان في دوامة قد تطول لنصف قرن آخر.
 
هنا من الواجب أن يُحاكم العقل السياسي العربي، والسوداني خصوصاً، فالقول نعم للدولة المدنية، لا يعني الخروج من تراث انساني متجذر، فهناك تجارب عربية وحتى غربية في النصوص على الأقل واءمت بين الطرفين، وبنت قوانينها على جناحي الحداثة والتراث. حري بالسودان الجديد أن يأخذ بتلك التجارب نأياً عن الانزلاق في صراع جديد وزرع الغام جديدة في طريق التعافي، وتوجهاً الى الأهم من النصوص وهي الأفعال من خلال وضع مشروع تنموي حديث، من دون أن تقوم فئة بأبعاد أخرى.
 
ما حدث في تجربة السودان الماضية، هي أن فئة من السودانيين كيّفوا فهمهم للدين لمصالحهم السياسية وخلطوا خلطاً مروعاً بين مقاصد الدين وبين اهوائهم، فانتقوا إلى ما يحلو لهم وصبغوه بصبغة "الله اكبر" وباعوه للعامة، إلا أن التجربة كلها سقطت سقوطاً ذريعاً واخذت معها الكثير من موارد السودان ودماء أبنائه، كما تجارب مماثلة في المنطقة، وذلك بسبب فهم منقطع عن العصر للدين والتراث.
 
التجربة الإنسانية تبني على النجاحات وتهتم بالخير العام وليس بالتسميات، وتوائم بين الممكن والمستحيل، ولو أني افهم دوافع مجلس السيادة السوادني في قبول مقترح "حركة تحرير السودان" (شمال) كما أتفهم دوافع الحركة في ذلك الطلب، إلا أني اعتقد، سداً للذرائع، أن يصل الاثنان الى الغايات من دون استفزاز لمكون ثقافي قد يكون مدخلاً للشرور، فالنص على دولة ديموقراطية تعددية قد يكفي، فلا يستطيع أحد أن يجعل الجِمال تطير بأجنحة حتى في السودان!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم