إعلان

الشارع اللبناني والانهيار... انتفاضة بألوان القوى الطائفيّة وأجنداتها؟

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
A+ A-
اختلطت تحركات الاحتجاجات التي أشعلت الشارع في لبنان بالرسائل المتبادلة بين أطراف السلطة السياسية. قوى على المقلبين حرّكت الشارع وتحكمت بمساراته في ضوء الانسداد في بنية النظام اللبناني والعجز عن إيجاد مخارج للأزمة الخطيرة التي يعيشها البلد. لم يتبين في التظاهرات أي دور لانتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 ومجموعاتها في تنظيم التحركات على الأرض، لكنها شاركت على هامش الحشود من دون أن تتمكن من إثبات استقلاليتها عن قوى النظام. المفارقة أن بعض مجموعات الانتفاضة اللبنانية انخرطوا في الاصطفاف القائم بين قوى النظام وبين أطراف كانت تصنف بين قوى 8 و14 آذار.
 
سارت بعض المجموعات تحت لواء "حزب الله" رافضة طروحات البطريرك الماروني بشارة الراعي الداعية إلى التدخل الدولي لحماية لبنان، بينما كانت العملة اللبنانية تتهاوى، فيما مجموعات أخرى انخرطت في الشارع محاولة الاستفادة من تلك الطروحات ضد "حزب الله" وسلاحه، وتجيير موقف الراعي ومبادرته ضد السلطة، وفي الحالتين كانت تذوب مجموعات الانتفاضة تحت مشاريع القوى السياسية والطائفية وإنْ كان بعضها لا يزال يسعى إلى تشكيل جبهة سياسية للعمل والتحرك بآفاق مختلفة.
 
التحركات الاحتجاجية ستستمر في لبنان مواظبة مسار الانهيار، لكنها ستكون تحت سيطرة القوى السياسية، وهي تختلف عن انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019 حين نزل الناس إلى الشارع ضد الطبقة السياسية والفساد بلا أجندات مسبقة. تحريك الشارع من الثنائي الشيعي ثم من "تيار المستقبل" إلى "القوات اللبنانية"، لحسابات لا تتلاقى مع الانتفاضة التي انطلقت بشعار "كلّن يعني كلّن" فإذا بكل القوى مرتاحة لوضعها وتركز اهتمامها على تحصيل مكاسب في المواجهة. وإذا كانت مبادرة البطريرك الماروني تعرضت لهجوم إيراني، في الوقت الذي دخل فيه "حزب الله" على خط المواجهة الحكومية، فإن كل الوقائع التي يعيشها لبنان من انهيار دراماتيكي للعملة وعدم تشكيل الحكومة، تثبت أن الطبقة السياسية ومواقعها في الحكم من رأس الهرم باتت فاقدة الأهلية للسير في عملية الإنقاذ، إذ صار واضحاً أن المعضلة تكمن في عدم أهلية النظام الطائفي بصيغته الحالية على التقدم خطوة واحدة نحو إيجاد حل ولو مرحلياً لمشكلات لبنان.
 
توازياً مع المشهد على الأرض، أثارت مبادرة الراعي بالحياد وتنديده بالإنقلاب على الدولة والدستور، ردود فعل قوى الممانعة، وإنْ كانت مبادرة لا تستطيع أن تجمع اللبنانيين كلهم ولا تلغي الانقسام اللبناني من مدخل التوافق وتنظيم الاختلاف، لكن الأخطر هو الهجوم عبر وسائل إعلام إيرانية على البطريرك واتهامه بالعمالة، وإن كان لم يبرّئ أياً من قوى الحكم، لكنه بالفعل صوّب سهامه أكثر على "من أخذ البلد رهينة لمشاريع إقليمية وأنشأ دويلة داخل الدولة" من دون أن يرتكز في دعوته الى قوى تحمل مشروعه في الذهاب إلى المؤتمر الدولي المنشود، ولا يملك أيضاً القوة القادرة التي يمكنها أن تغيّر مسار الأمور، أقله على المستوى الداخلي في لبنان.
 
الانقسام في البلد حول قضيتيّ الحياد والحل الدولي للأزمة، وقضية سلاح "حزب الله" أديّا إلى تكريس وجهات نظر متباينة بين مجموعات الانتفاضة، ظهرت في عدم قدرتها على التنظيم في التحركات الأخيرة في الشارع وكشفت عدم وضوح الرؤية وارتباطها حزبياً بالقوى المتصارعة، على رغم أن البطريرك ينطلق من اتفاق الطائف، حتى وهو يدعو إلى مؤتمر دولي، ويرفض السلاح، فيما محاولات الانقلاب على الدولة والدستور تستهدف أيضاً هذا الاتفاق الذي نتج من تدخل دولي وعربي في عام 1989. يعني ذلك أن الطائف وتطبيقه، المفتاح الوحيد لعودة مؤسسات الدولة، لذا لا يمكن القفز فوقه وتعديله وتكريس أعراف وصلاحيات أمر واقع في ظل السلاح ووجود قوة مسلحة فوق الدولة ممسكة بمفاصل الوضع اللبناني ولديها حسابات إقليمية ومشاريع، وتتحكم بمسار الحل أو تعديل الدستور أو الذهاب إلى مؤتمر تأسيسي، لإن ذلك يخل بمبدأ التوازن الوطني والدستور.
 
وبينما نشهد حرباً كلامية بين "التيار الوطني الحر" الذي يتهم الرئيس المكلف سعد الحريري بأنه ينتظر إشارات خارجية في موضوع الحكومة، ودخول "حزب الله" على الخط بقول نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إن الحريري ينتظر ضوءاً أخضرَ سعودياً، بدا في المقابل أن جزءاً كبيراً من المسؤولية يتحمله "حزب الله" ثم التيار العوني الذي يعارض الطائف علناً ويعمل لاستعادة ما يسميه صلاحيات سحبت من موقع الرئاسة، وينطلق من شعار حماية المسيحيين كأقلية، وهو جزء من تحالفه مع الحزب الذي غطى على كثير من المشاريع المحلية والإقليمية والتدخلات في المنطقة.
 
ويظهر رد فعل "حزب الله" والمحيطين به كأنه يقدم بنيته أنه المستهدف الوحيد من الدعوة البطريركية، من دون تفهم الأسباب التي دعته إلى إعلان موقفه، فهو لم يدعُ إلى إصدار قرار دولي جديد عن الأمم المتحدة يضع لبنان تحت الحماية الدولية أو استنساخ تجربة القرار 1559 ولا دعا الى قرار تحت الفصل السابع، وهو حكماً أي البطريرك لا يدّعي أن لديه القوة الفائقة التي تسمح له بالإنفكاك عن القوى الطائفية في البلد وعن القوى التي يمثلها المسيحيون، إنما المؤتمر الدولي الذي يدعو إليه ليجمع القوى اللبنانية بحضور الدول الفاعلة في الشأن اللبناني وهي الدول التي تتدخل في شؤونه لحل الأزمة اللبنانية... فإذا كانت هناك إشكالية حول المقاومة والسلاح، فلتناقش على الطاولة لتحييد لبنان عن الصراعات وعدم تركه كما هو اليوم ساحة يتم استخدامها لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
 
المخرج للأزمة اللبنانية الراهنة لن يكون هذا النظام الطائفي العاجز حتى عن إنقاذ نفسه، وليست القوى السياسية والطائفية التي تعلن في كل يوم رهن البلد للخارج. تفهّم مبادرة البطريرك وأسبابها وخلفياتها هو الطريق لفتح نقاش جدي حول المعضلة الراهنة التي تأخذ البلد في مسار انحداري لن يجد من يسعفه. وليس توجيه رسائل في الشارع وإشعال الحرب، من دون أن يكون هناك أي دور للبنانيين الذين يكتوون بنار الدولار وانهيار العملة والسقوط المتمادي للبلد في أتون الحروب والمجهول.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة