إعلان

أبعاد إمكان امتلاك السّعودية برنامجاً لتطوير الصواريخ البالستيّة وتصنيعها

المصدر: النهار العربي
رياض قهوجي  
رياض قهوجي  
صواريخ في عرض سعودي
صواريخ في عرض سعودي
A+ A-
جاء كشف شبكة "سي أن أن" الأميركية، الشهر الماضي، عمّا وصفته بمنشأة لتصنيع الصواريخ البالستية في المملكة العربية السعودية، في وقت كانت تستعد فيه القوى العظمى لبدء جولة جديدة من المفاوضات في فيينا لإزالة الخلافات بين واشنطن وطهران من أجل التوصل الى اتفاق جديد حول برنامج إيران النووي.
 
فالصواريخ البالستية الإيرانية موجودة على طاولة المفاوضات من قبل الجانب الأميركي المصرّ على أن يكون مصيرها مرتبطاً بأي اتفاق نووي جديد مع طهران، وهو موقف يحظى بدعم قوى غربية وإقليمية. لكن إيران ترفض بشدة هذا الشرط، وتصر على أن برنامج صواريخها البالستية هو خارج إطار المفاوضات، ومرتبط بمسألة برامج التسلح في المنطقة، أي أن أي نقاش في هذا الموضوع يجب أن يرتبط ببرامج تسليح القوات المسلحة في الدول المجيطة بها، وتحديداً في الخليج العربي.
 
أثرت العقوبات الدولية كثيراً في قدرات إيران العسكرية، إذ إنها لم تحصل على طائرات حربية جديدة حديثة منذ أكثر من عشرين عاماً، وآخر ما تسلّمته قواتها الجوية هو طائرات صُنعت محلياً، تحوي تكنولوجيا تعود للجيل الثالث أو مطلع الجيل الرابع، هذا فيما تستخدم المقاتلات الحديثة اليوم تكنولوجيا الجيل الخامس. افتقار إيران الى قوات جوية تمكنها من اختراق أجواء خصومها دفعها للاستثمار في الصواريخ البالستية، والتي كانت قد اختبرتها بكثافة في أواخر حربها مع العراق في ثمانينات القرن الماضي. ولاحقاً استخدمت مهندسي صواريخ من الاتحاد السوفياتي المنهار لتأسيس برنامج متقدم، استخدمت فيه أيضاً تصاميم لصواريخ بالستية من كوريا الشمالية التي قدمت دعماً كبيراً في هذا الإطار لطهران. ويلحظ الخبراء حجم التشابه الكبير بين العديد من تصاميم الصواريخ البالستية الكورية الشمالية والإيرانية. 
 
أظهرت التجارب الصاروخية الإيرانية في السنوات الأخيرة مدى التقدم الذي أحرزه برنامجها، بخاصة في مجال تطوير المحركات التي تعمل بالوقود الصلب، ما يزيد من سرعتها، ويمكن المستخدم إطلاقها من منصات متنقلة. كما أن دقة بعض هذه الصواريخ تحسنت، وتحديداً طراز فاتح-110 الذي يبلغ مداه 350 كلم. وقد بلغ مدى صواريخ إيران البالستية الموجودة في الخدمة مثل شهاب-3 نحو 2000 كلم. لكن إيران تعمل جاهدة لزيادة مدى هذه الصواريخ لتجعل القارة الأوروبية وما تضمه من قواعد أميركية فيها ضمن مداها في مرحلة أولى، ومن ثم الانتقال لبناء صواريخ عابرة للقارات، وهو المسار نفسه الذي اتبعه برنامج الصواريخ لكوريا الشمالية. ويعتبر الخبراء محاولات إيران لإطلاق صواريخ تحمل أقماراً اصطناعية بمثابة تجارب لتطوير صواريخ عابرة للقارات، والتي تكون عادة تعمل على ثلاث مراحل، أي يتكون الصاروخ من ثلاثة أجزاء، ينفصل كل جزء في مراحل تمتد من الإقلاع حتى إعادة دخول الغلاف الجوي نحو الهدف.
 
وكانت إدارة الرئيس السابق باراك أوباما قد وافقت على طلب إيران تحييد برنامج صواريخها عن المفاوضات، ما سهّل الوصول الى الاتفاق النووي عام 2015، وكان ذلك رغم معارضة البنتاغون حينها. أما اليوم، وبعدما شعرت أميركا وأوروبا بحجم تهديد هذه الصواريخ واختبرتها القوات الأميركية مباشرةً قبل عامين، حينما قصفت إيران قاعدة عين الأسد في العراق انتقاماً لاغتيال قاسم سليماني، فإن إدارة الرئيس جو بايدن، بضغط كبير من البنتاغون وإسرائيل ودول أوروبية، تصر على أن تكون أي اتفاقية على الملف النووي الإيراني مدخلاً لاتفاقية أخرى تحد من حجم برنامج إيران الصاروخي.
 
وكلما زادت إيران من عملية تخصيب اليورانيوم، مضيقة الفترة التي تفصلها عن امتلاك ما يكفي لتصنيع سلاح نووي، ارتفع منسوب القلق الأميركي والغربي من برنامج الصواريخ البالستية الذي يشكل الوسيلة الأساسية لحمل رؤوس نووية لتهديد خصوم إيران. فالمتعارف عليه عسكرياً أن الصواريخ البالستية هي خير وسيلة لحمل رؤوس غير تقليدية، ومعظم الدول التي تملك برامج لتطوير صواريخ بالستية هي تلك التي تملك أو تنوي امتلاك أسلحة نووية أو غير تقليدية (مثل الكيماوي أو البيولوجي).
 
لم تعلّق القيادة السعودية على التقرير الأميركي الذي أظهر صوراً لما وصفه بأنه منشأة بنتها الصين لتصنيع صواريخ بالستية. وتجدر الإشارة الى أن السعودية تمتلك منذ عام 1987 صواريخ بالستية صينية الصنع طراز دي اف-3 (يبلغ مداها 5000 كلم)، وحصلت عام 2014 على صواريخ بالستية أكثر دقة وتطوراً من الصين طراز دي اف-21 (يبلغ مداها 1500 كلم). وتعمل هذه الصواريخ ضمن ما يعرف بقوة الصواريخ الاستراتيجية الملكية السعودية. وتشير العديد من التقارير الأميركية الى أن واشنطن كانت على علم بهذه الصفقات ولم تعارضها. وبالتالي فإن إمكان امتلاك السعودية منشأة لبناء هذه الصواريخ أمر وارد وحتى طبيعي في سياق تطور الأمور، بخاصة مع فشل المجتمع الدولي بوقف برنامج إيران الصاروخي. وقد يكون كشف الإعلام الأميركي في هذا التوقيت عن منشأة الصواريخ السعودية هو محاولة من واشنطن لإظهار عواقب وجود برنامج الصواريخ الإيراني، والذي يدفع بدول أخرى في المنطقة لبدء برامج صواريخ خاصة بها، ما سيؤدي الى سباق ينشأ عنه انتشار واسع لهذه الصواريخ الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
 
وقد تحاول واشنطن اللجوء الى عملية مقايضة، أي تعرض الحد من تطوير برنامج الصواريخ الإيرانية مقابل البرنامج الصاروخي السعودي. هذا سيسهّل فصل موضوع برنامج الصواريخ البالستية الإيراني عن صفقات السلاح الأميركية والأوربية مع دول المنطقة.
 
إذا صدق تقرير وجود منشأة لتصنيع صواريخ بالستية وتطويرها في السعودية، فإن إيران ستجد نفسها أمام تحد جديد من المملكة التي تبدو مصممة أكثر من قبل على وقف التمدد الإيراني في المنطقة. فالسعودية تملك قوات جوية حديثة ومسلحة بترسانة كبيرة من الصواريخ الذكية، ومنعت إيران من السيطرة على اليمن بمساعدة الحوثيين، وتمضي اليوم بتطبيق برامج تسلح متنوعة وإنشاء صناعات دفاعية محلية متعددة الأهداف. امتلاك برنامج للصواريخ البالستية سيمكّن السعودية من بناء صواريخ مخصصة لبرنامج الفضاء لإطلاق أقمارها الاصطناعية.
 
وتذكّر تقارير أميركية بتصريحات لمسؤولين سعوديين من أنه إذا ما تمكنت إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن المملكة ستسعى لامتلاكه أيضاً. وعليه، فإن تقرير منشأة الصواريخ السعودية سيزيد من أهمية برنامج إيران الصاروخي على طاولة المفاوضات في فيينا، حيث ستسعى القوى الكبرى لتجنب الانزلاق نحو سيناريو سباق تسلح صاروخي - نووي كارثي في المنطقة.   
   
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم