إعلان

تغيير النّظام السّياسي في العراق والصّراع داخل البيت الشّيعي

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
مقتدى الصدر
مقتدى الصدر
A+ A-
يصعب على مقتدى الصدر، وهو زعيم الكتلة الفائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق (73 مقعداً في مجلس النواب)، أن يتبوأ منصب زعامة الطائفة السياسية الشيعية في سياق نظام المحاصصة الطائفية. ولأن ذلك المنصب هو الذي سيؤهله لاختيار رئيس الوزراء، فإن حاجته إلى أن يرمي في سلته أصوات نواب من كل كتل سياسية تمثل طوائف أخرى، تدفعه إلى البحث داخل ما يُسمى مجازاً بالبيت الشيعي عن مناصرين أوفياء.
 
سيكون ذلك الأمر معقداً. ليس لأنه لا أحد يثق بالصدر، بل لأن أطرافاً شيعية كثيرة كانت قد تعاملت معه في السابق بتعال ونفور، بل بشعور عميق من الازدراء. وما لن يتمكن منه الصدر هو القفز على نظام المحاصصة، أو هو ما لا يرغب في القيام به بالرغم من الشعارات الدعائية التي لا تنفي أن الصدر ما كان في إمكانه أن يفوز في الانتخابات لولا التحيز الطائفي لدى الناخبين. شئنا أم أبينا، فإن الصدر يمثل الشريحة الحزبية الشيعية في العملية السياسية، وهي شريحة وهبها النظام الطائفي الذي أسسته سلطة الاحتلال الأميركي حق الهيمنة على السلطة التنفيذية.
 
قبل الهيمنة المطلقة على الدولة. وإذا ما كان الصدر قد سبق له أن قال "أنا الدولة"، فإنه يسعى اليوم إلى تكريس وصايته على النظام، انطلاقاً من كماونه القوة التي حمت ذلك النظام من السقوط أثناء احتجاجات عام 2019، عندما قامت "سرايا السلام"، وهي الميليشيا التابعة له، بارتكاب عدد من المجازر لترويع المحتجين من خلال تفريق صفوفهم عن طريق العنف المبالغ فيه. ذلك ما يطالب الصدر الأحزاب الشيعية التي هي ركيزة النظام السياسي بدفع ثمنه، وهو ما لم يتوقعه أحد من زعماء الميليشيات الموالية لإيران التي صار لها حضور لافت على الساحة السياسية، بعدما صارت طرفاً مؤثراً في الصراع الإيراني الأميركي في العراق. 
 
لم يكن متوقعاً من الصدر أن يكون الرقم الصعب في المعادلة التي وضعتها الميليشيات (الحشد الشعبي)، من أجل الاستيلاء على الدولة والهيمنة على النظام واحتواء الطائفة. ذلك أمر مزعج حتى بالنسبة الى إيران التي لا تتعامل مع تصريحات الصدر بطريقة جادة.
 
ليست إيران معنية بأن تكون السلطة التنفيذية حكراً على الشيعة، بل هي معنية بأن تُدار تلك السلطة من قبل أتباعها المباشرين من الشيعة. ومهما فعل الصدر من أجل استرضاء إيران عقائدياً، فإنه ليس من أولئك الأبناء المحظوظين بالرعاية المطلقة. 
 
ليس من المتوقع أن يتم التوصل إلى تسوية تعيد النظام إلى ما كان عليه قبل الانتخابات الأخيرة، بحيث يكون الشيعة كتلة واحدة في مقابل الآخرين. تلك صيغة انتهى مفعولها، ولم يعد الصدر يرغب في أن يكون مجرد رقم في معادلة تحتوي على أرقام كثيرة. غير أنه يعرف أن رضا المؤسسة الدينية الشيعية غاية لن تُدرك بالنسبة اليه. ذلك لأن تلك المؤسسة بما تتميز به من صفات نخبوية لن تجد فيه الرجل الذي يضمن لها مصالحها، فهي لم تنظر إلى والده إلا باعتباره مجنوناً في أحسن الأحوال، كما أنها لم يسبق لها الانفتاح عليه، باعتباره طرفاً شيعياً يمكن الاطمئنان إليه في السياسة وإدارة الدولة. علاقة الصدر بالمؤسسة الدينية "المرجعية" سيئة منذ حرب النجف عام 2004. يومها شن الأميركيون حرباً على الصدر في النجف التي غادرها السيستاني إلى لندن، وقيل إن رحلته كانت للعلاج، غير أن تزامنها مع الحرب تلقي بظلال من الشك على ذلك السبب.     
 
كانت فكرة التخلص من الصدر قائمة منذ اليوم الأول لنظام المحاصصة الطائفية، ولم تكن المرجعية بعيدة من ذلك المزاج. اليوم لا يزال ذلك المزاج قائماً، غير أنه صار أشبه بالسخرية التي لا يمكن التستر عليها. لكن الصدر بالرغم من فوزه الساحق في السباق الانتخابي، لم يتحول إلى نجم شيعي إلا بالنسبة الى أتباعه. ستظل مشكلته مع الشيعية السياسية قائمة، حيث ينظر الكثيرون ممن وجدوا في الهيمنة الشيعية على الدولة فرصة للإثراء غير المشروع إلى ولاية الصدر، باعتبارها تمهيداً لانهيار نظام المحاصصة الطائفية الذي يسمح للأحزاب الشيعية بممارسة عمليات الفساد الأكثر سعة والأشد فتكاً في التاريخ. وسواء كان الصدر جاداً في شعار محاربة الفساد أو لم يكن كذلك، فإن رفع ذلك الشعار، مجرد رفعه، سيكون تحريضاً على القيام بهدم النظام الطائفي.
 
قد لا يكون الصدر جاداً في مسألة التخفيف من وطأة نظام المحاصصة الطائفية الذي أضفى على الفساد طابعاً شرعياً، غير أنه نجح في أن يستفيد من نقمة الجمهور العادي على أحزاب السلطة ليفوز عليها، لا بالأغلبية المطلقة، ولكن من خلال حرمانها من الحضور السياسي الذي كانت تتمتع به قبل الانتخابات. هذا الانتقام السلمي المبيت استفاد منه الصدر ليفسد على بقية أفراد البيت الشيعي ثقتهم بمستقبل النظام، وهي ثقة مستلهمة من محاولة الميليشيات احتواء الدولة والذهاب بها إلى أحضان الأغلبية الطائفية التي سبق أن دعا لها نوري المالكي.
 
بعد الإحباط الذي أصيبت به الأحزاب بسبب نتائج الانتخابات، صار عليها أن تخفض سقف مطالبها، وهو ما دفع بالصدر إلى أن يرفع سقف طموحاته، وصولاً إلى التفكير في زعامة الشيعية السياسية التي ستتيح له نفوذاً أكبر في النظام السياسي، وهي التي ستجعله قادراً على التلويح بمرجعية والده الناطقة في مواجهة مرجعية النجف الصامتة التي تناصبه العداء. 
 
هزيمة الميليشيات في الانتخابات سمحت للصدر بالتركيز على معاركه الشخصية، رغبةً منه في الحصول على اعتراف الآخرين بزعامته الشيعية المطلقة. لذلك ستكون معركته داخل البيت الشيعي هي الأصعب، وقد يخسرها إذا ما أدار له الأكراد والسنّة ظهورهم.       
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم