إعلان

بيان إنقاذ لبنان كما رسمه خطاب الراعي البطريركي

المصدر: النهار العربي
سمير التقي
البطريرك بشارة الراعي
البطريرك بشارة الراعي
A+ A-
 
رغم أن إيران نجحت في تطوير النموذج الشيوعي لحرب العصابات في سعيها الى توسيع هيمنتها وتعزيز قوتها، لا يزال النموذج الإيراني لحرب العصابات أقل نجاحاً بكثير بفضل عدد من المحددات التاريخية والجغرافية. لقد صوّرت إيران قوتها الإقليمية كنظام (رمام) آكل للجيف، يقتات على جثث الدول والشعوب التي يغزوها. وكان "حزب الله" نموذجاً مميزاً وأداة رئيسية في هذا المشروع.
 
ومع ذلك، فإنني أعتقد أننا لن نكون قادرين على فهم تعقيد دور "حزب الله"، ما لم نفهم الطريقة التي نشأ بها الحرس الثوري الإيراني "الباسدران" كمافيا عابرة للحدود، قامت ببناء مجرة مبعثرة من كيانات اقتصاد الظل ضمن الدول المضيفة. 
 
وحتى في أعين القوى الغربية والعربية، نشأ انطباع بأن "حزب الله" قوة مستعصية، وأن المرض اللبناني لا شفاء منه، واستسلم الغرب عملياً للدور الفعلي للنظام السوري ومعه "حزب الله". أما بالنسبة الى لبنان، فكان هذا القرار باعتماد الغرب "الشر الذي لا بد منه" قراراً كارثياً، لأن هذا القرار كان مجرد تطبيق جديد لنهج كسول بالاستسلام لقوى الأمر الواقع، حتى لو عنى ذلك خراب لبنان تدريجياً. في حين أن هذه القوى الغربية لم تكن تحتاج إلا لبعض الجهد الفكري، وربما بعض الخيال، كي تدرك أن بقاء "حزب الله" مرتبطاً ارتباطاً حيوياً بالنموذج المنهار للدولة الوطنية في الإقليم، وباستمرار تلك البئر العميقة من روايات العداء والكراهية للحروب الدينية في الشرق الأوسط وأوهامها. لكن واقع الحال يقول غير ذلك. كل ذلك تبدل الآن تبدّلاً عميقاً.
 
صار الخطاب الأسطوري الذي يغرف منه "حزب الله" مع اللاعبين الإقليميين الآخرين، آسناً ومتعفناً. الشباب اللبناني لم يعد يُخدع بالخطاب الوهمي حول الصمود، ولم يعد يقبل أن ترسم هويته كختم أيديولوجي مسبق الصنع. يعيد هذا الشباب تعريف هويته كأمة لبنانية جديدة، ليتجاوز منطق الخطابات الأيديولوجية والحروب الدينية.
 
والآن، رغم الصعوبات التي يواجهها "حزب الله" في لبنان، فهو يعتقد أنه لا يحتاج إلى النصر! يعتقد أنه يحتاج لمجرد البقاء والاستنقاع في الحوض الآسن وحسب. يعتقد أنه في مواجهة العواصف الجديدة التي تعصف بالمنطقة، يحتاج فقط أن ينكفئ قليلاً وأن يحتفظ بدوره كأمير حرب ويتمتع بالتهام فريسته العاجزة تحت الماء وببطء شديد.
 
وهكذا بعد عقود عديدة من مصادرة الإرادة الوطنية اللبنانية، نواجه هنا اليوم واقعاً جديداً. فنموذج الدولة المنهارة لن يترك لـ"حزب الله" إلا أشلاء. ورغم ذلك، يضع "حزب الله" المجتمع الدولي في ما قد يبدو معضلة مستعصية: إما أن نقبل بدوره الطفيلي أو أن يقتل الفريسة.
فكيف ندحر هذا الطفيلي من دون قتل المضيف؟
كنت أعتقد أن دورة الفشل في بناء الأمة ستصل إلى قعر قريب في منطقتنا. لكني أجد نفسي مخطئاً خطأً فادحاً. ثمة سيناريوان اثنان محتملان:
فبعدما مرت عقود طويلة من الصبر الاستراتيجي، اكتفى فيها الصرح البطريركي الماروني في بكركي بمداراة الشأن السياسي حكمة وتعففاً، وتداول خلالها باليد الحليمة الطرية وحسن التدبير والنية، منعطفات واجهت جذور الهوية اللبنانية، نجده الآن وإذ يعشش العقم السياسي في أرجاء الشارع السياسي، ويدخل لبنان عتبة مخاطر اللاعودة في مأساته الراهنة، نجده يتقدم لواجهة المشهد السياسي الوطني. 

من خلال مشروعها السياسي المتجسد بكلمة عيد الميلاد لراعي الكنسية المارونية، قدمت الكنيسة مشروعها بمثابة بيان تأسيسي وخطة عمل جامعة لكل اللبنانيين، تجمع عناصر البعد الوطني بالبعد العربي الإقليمي وبالبعد الدولي، من أجل استعادة لبنان "جمهورية تعددية ليبرالية"، بعدما اختُطفت السلطة فيها لسنوات لمصلحة منظومة استبداد ضربت الدستور ومبادئ التوافق الوطني اللبناني. 

لا نحتاج للكثير من الجهد كي نعرف أن هذا الموقف البطريركي ليس من فراغ وليس مجرد تعبير عن طموح أو تمنيات. إذ تنضج في المحيط الإقليمي والدولي عناصر جديدة، تؤكد عزيمة جديدة لانتشال لبنان من البئر التي دفعتها اليه سلطات الاستبداد السياسي. ويصدق هذا الأمر على الصعيد الاستراتيجي في البر والبحر، كما يصدق على صعيد التحالفات والحراك الإقليمي، الذي يصبح فيه "حزب الله" ومن يقف خلفه معزولاً كما لم يكن قط. وتتضافر في هذا السياق نشاطات أميركية وأوروبية وعربية. إنها فرصة تاريخية للبنانيين في سنة الاستحقاقات الانتخابية الكبيرة. لحظة قد لا تتكرر، ينتظر فيها المجتمع الدولي والقوى الإقليمية حقيقة تمسك اللبنانيين بلبنانيتهم وصدقيتهم وصلابتهم كي يتجاوبوا معه. 

ورغم ذلك، استدرك. في الماضي، كان ثمة أمل أن يتدخل العالم، أن يتدخل الجيران، لكن الواقع يشير إلى أنهم لن يحركوا قيد أنملة، ما لم يعبّر اللبنانيون عن موقفهم بحزم وبمواقف موحدة. إذ لن تقدم أي دولة في العالم على شق طريق المستقبل للبنان. كل ما ستفعله أكثر الدول حرصاً عليه، هو أن تعطيه الأداة كي ينتصر بذاته، إن أراد أن ينتصر.  
في المقابل، تتحضر القوى الظلامية لدورة جديدة من الخراب والجنون، قوامها ملء الفراغ الإقليمي الذي تخلقه الدولة الوطنية المنهارة ويخلفه رحيل الغرب. إنهم لا يملكون أي حل للمعضلة الاجتماعية والاقتصادية، ناهيك بالمعضلة السياسية في لبنان. الموديل - النموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي أقاموه في الإقليم ينهار موضوعياً، ولم يعد قادراً على البقاء حتى في دولة "غنية" مثل العراق. لذلك مخرجهم مسدود. 

لم يبق لنا إلا حكمة شباب لبنان وعزيمتهم في هذا العام الانعطافي لالتقاط الفرصة في لحظة من أصعب اللحظات. بيان الصرح البطريركي في بكركي هو بيان للسّلم الأهلي، وللإنقاذ المجتمعي، يعيد التأسيس للسياسة من حيث كونها بديلاً لفساد النخب. ستكون هذه السنة سنة اختبار شاق لعزيمة الشباب والمجتمع عامةً على الخروج من هاوية لا يملك فرسانها إلا السقوط المتسارع فيها.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم