إعلان

الانتخابات القطرية

المصدر: النهار العربي
محمد الرميحي
محمد الرميحي
اقتراع في الانتخابات القطرية
اقتراع في الانتخابات القطرية
A+ A-
السبت الماضي كان الموعد المضروب كي يتوجه القطريون الى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في مجلس الشورى، في أول انتخابات للديموقراطية التمثيلية في قطر، وقد فعلوا ذلك بنسبة إقبال كبيرة، وهي خطوة تاريخية في مسيرة تطوّر البلد. كانت الفكرة مطروحة منذ زمن، ومع تجدد ظروف الإقليم والمنطقة صارت من الأولويات، حتى جاء الوقت لإعلان تواريخ محددة لانطلاق العملية. منذ ذلك الإعلان وحتى ظهور النتائج أصبحت التجربة قيد النظر والتمحيص، وصاحبَ العملية حوار اجتماعي صاخب في بعضه، فهذه طبيعة الأمور لأول انتخابات وعادة ما تكون مصحوبة بالتفاؤل.
 
اختلفت النخبة القطرية على الطريقة التي تمت بها العملية الديموقراطية والتي حددتها القوانين القطرية في أن تُمارس من قبل المواطنين ذوي الأصول القطرية، ولكن ليس كل القطريين المسجلين كمواطنين. البعض وجد أن حرمان بعض المواطنين يُنقص من التجربة ويخلف مرارة لدى بعض القطريين، فيما رحب آخرون بها على أنها خطوة الى الأمام يمكن تطويرها. إلا أن القاعدة هي أن الديموقراطية ليس كما يفهم المثاليون ... لها قواعد واحدة في كل المجتمعات وفي كل الظروف، فهي تختلف بسبب عوامل اجتماعية وتاريخية لها الأسبقية في تحديد المسار. وربما هذا ما كان في ذهن المشرّع القطري الذي قرأ تجارب المحيط حوله بتانٍ. فمثلاً التجربة العُمانية قبل أن تصبح ما هي عليه اليوم مرّت بأطوار من الانتقال التمثيلي كان يرعاها المرحوم السلطان قابوس بن سعيد برؤية وروية، وانتقلت من طور الى آخر حتى رست كما نشاهدها اليوم ... مجلس نصفه منتخب ونصفه الآخر معيّن وكلاهما في "المجلس العماني" الذي يوائم المجتمع ويساير تطوره الاجتماعي. ساعد في هذا التطور السلس، المجتمع العماني نفسه، والذي كان يساير ذلك الانتقال بفهم ومن دون عجلة.
 
التجربة الثانية في المحيط القطري هي التجربة الكويتية، وهي تجربة رغم مرور أكثر من نصف قرن على بدئها عانت وتعاني مطبّات كثيرة، بعضها موجع، حتى أصبحت مثار تندّر بين المراقبين إذ كيف يمكن للممارسة الديموقراطية التمثيلية أن تساهم في تراجع نجاحات المجتمع، وكانت دائماً تثير الريبة لدى متخذ القرار الخليجي لما كان يشوبها من صراع، في بعض الأوقات عبثي، وفي بعضها تعطيل أو تكبيل لأليات الدولة وحتى متطلبات المجتمع الحديث.
 
لا بد من الإشارة إلى أن هناك الكثير من اللوم تضعه النخبة الكويتية على إفرازات العملية الانتخابية، وقد كرر كثير من الكتاب الكويتيين ذلك اللوم، فالطائفية والقبلية وحتى المال السياسي كلها أدت أدواراً معطلة. ويرى البعض أن المطبات التي تواجه العملية في الكويت منبعها الوعي المجتمعي، وتراجع دور المجتمع المدني في القيام بنشاط أوسع في العملية الديموقراطية من خلال التوعية. إلا أن كل ذلك يقع في المساحة النظرية، أما العملية، فإن صناديق الاقتراع تفرز صورة المجتمع نفسه، ولا مناص من قبول تلك الصورة على علّاتها، لأن الديموقراطية التمثيلية تفرز ما في المجتمع نفسه ولا تنتج (ملائكة) كما يرغب المثاليون.
 
بالعودة الى التجربة القطرية الوليدة فمن الملاحظ أن معظم المتقدمين شباب متعلّم، وهذا يُحسب للنظام التعليمي القطري، حتى لو كانت الخلفيات قبلية. بعض المرشحين، كانت لهم علناً مطالبات للقبيلة بالنصرة، وآخرون قدموا برامج لها علاقة بهموم الناس مثل الصحة والتعليم، بل بعضهم انتقد بعض القوانيين "المقيّدة للحريات" في قطر. الإيجابية الأخرى التي صاحبت الحملات الانتخابية القصيرة هي هذا الحوار المجتمعي الواسع والذي قادته نخبة لم تكن في الغالب في معترك التنافس، لعلمها بالتكوين الاجتماعي الغالب، ولكنها استفادت في إطلاق حوار واسع، ليس في الداخل القطري، بل وعلى منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة، وطرحت أفكارها التي ترغب في الانتشار.
 
لقد كانت الهواجس المصاحبة للنخبة البيروقراطية القطرية منذ التفكير في إطلاق فكرة "الديموقراطية الانتخابية" هي أي نوع من الناس يمكن أن تخرجهم العملية الى السطح السياسي؟ هذا التساؤل أجيبَ عليه بعد ظهور النتائج ... نسبة الإقبال كبيرة وعدد من الشباب المتعلمين ونسبة من أبناء القبائل، أي أنه أنتج تقريباً المعادلة الانتخابية في الخليج وغير المحسومة - تعليم، شباب، وقبلية - والأخيرة قد تتعارض في مكان ما مع الدولة الحديثة. وتحسباً لأي نتيجة احتفظ المشرع القطري بعدد من الأعضاء للتعيين بعد إعلان النتائج، وهو تحوّط لإشراك من فاته أن يتمثل في مجلس الشورى من الفئات المجتمعية التي تمثل النسيج الاجتماعي القطري، وهي فكرة لخلق التوازن.
 
وعلى الرغم من الظاهرة التي شاهدها الجميع وهي إقبال عدد وازن من النساء لترشيح أنفسهن في المعترك الانتخابي، لم تحدث المفاجأة السارة، ولكني آخذاً بما تقدم من توصيف المجتمع القطري المحافظ لم أُصب بالدهشة حين لم توفق أي منهن، تلك طبيعة الأمور، ويتوقع كثيرون أن يُعوض ذلك في إطار التعيينات المقبلة استكمالاً لنصاب المجلس. التجربة القطرية في الديموقراطية التمثيلية ليست بلا شوائب، ولكنها في الوقت نفسه الحل الأقرب لتطور المجتمع القطري الى الأفضل، وهي أيضاً تكمل مثيلاتها، على درجات مختلفة في دول الخليج، والتي من المحتم أن تصل الى عقد اجتماعي داخلي مريح، لأنه أولاً يساعد على التطور المتدرج بالمشاركة الشعبية، وثانياً لأنه يحمي الجبهة الداخلية من أي خلل غير مرغوب في عالم تجري فيه التطورات ليس باليوم بل بالساعة.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم