إعلان

الثّقافة في فلسطين... منع وحصار وتهديدات

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
المطربة الفلسطينية ناي البرغوثي.
المطربة الفلسطينية ناي البرغوثي.
A+ A-
لا تزال عادة إيقاف الفلسطينيين في المطارات ونقاط الحدود العربية، على وجه الخصوص، قائمة، كما لو أنها تولد مع رجال الأمن. صورة الفلسطيني في مخيلة الأنظمة العربية لم يطرأ عليها أي تغيير منذ النكبة، حتى بعد تبدل الأنظمة وتبدل الخطاب واستبدال القادة والضباط، ووصول سفراء من إسرائيل إلى العواصم العربية، وتدفق أفواج المستوطنين بملابس السياح في ممرات المطارات العربية. حتى بعد انهيار الأفكار والثوابت وتلاحق الحوادث وتراكمها، تواصل تلك الصورة القديمة بالأبيض والأسود تنفسها في أدراج الأجهزة الأمنية العربية، وتزحف في الملفات وأحلام الضباط كواجب أبدي، صورة جماعية في وجه واحد متكرر، تولد داخلها أجيال جديدة من الفلسطينيين يكبرون في الملفات، ويتبادلون الأحاديث في الملفات، ويرثون في الملفات الملامح واللهجة والأسماء وجهات الوصول.
 
يمكن استعراض قائمة من الفنانين حملة الجينات الفلسطينية جرى منع دخولهم إلى مصر وسواها، تحت حجج مثيرة للحزن، حجج نبتت في زمن آخر وتغذت هناك، ولكنها عابرة للأزمان والمراحل.
 
يعيد مطار بيروت الكثير من الفلسطينيين، بمن فيهم بعض "المحظوظين" الذين حصلوا على تأشيرة دخول من وزارة الداخلية، وبعض حملة الجواز الأردني من الفلسطينيين الذين لم يشفع لهم جواز المملكة للمرور. يميزون في مطار بيروت بين الأردني والفلسطيني، أصدقاء من الكتّاب والفنانين لم يتمكنوا من تلبية دعوات لفعاليات ثقافية في لبنان بسبب هذه الريبة الكلاسيكية التي لم يبددها الوقت ولا الخبرة.
 
الأسبوع الماضي، منعت الفنانة الفلسطينية الشابة ناي البرغوثي من دخول مصر، انتظرت ثماني ساعات في مطار القاهرة قبل أن تعاد من حيث أتت. ناي كانت تلبي دعوة من دار الأوبرا المصرية لإقامة حفل خاص بها، وكانت قد أعدّت برنامجاً خاصاً لهذه المناسبة. ليس من السهل أن تصعد فنانة شابة وفلسطينية بنت مشروعها الفني بهدوء وحرص خشبة دار الأوبرا في مصر، وهي ليست الزيارة الأولى لها للقاهرة كما أنها ليست الدعوة الأولى، يمكن الحصول على تسجيلات في شبكة اليوتيوب والاستماع ضمن الفقرات إلى أدائها للحن سيد درويش "بلادي" الذي اعتُمد نشيداً وطنياً لمصر في حفل أحيته في القاهرة عام 2011، وربما قبل وبعد.
 
يعرفونها جيداً في فلسطين ومصر والعالم العربي، فنانة جادة وعازفة ناي وصوت جميل، وتتحرك بهدوء ومن دون ادعاء.
 
في مهرجان جرش، وهو حدث ثقافي وفني هام على المستوى العربي، قدمت الفنانة الفلسطينية دلال أبو آمنة عرضاً ناجحاً على المدرج الجنوبي في المدينة الأثرية أمام أكثر من أربعة آلاف متفرج. دلال الحريصة على تقديم التراث الفلسطيني كمكوّن أساسي من الموروث الشامي ضمن رؤية تاريخية تمزج المكان واللهجة والموسيقى، غنت بلهجات الإقليم في اختيارات ذكية متلاحقة، بينما وقفت إلى جانبها على خشبة المسرح 100 سيدة بثياب الشام وأصواته، وعندما غنت نشيد "موطني" المدهش حقاً، الذي كتبه إبراهيم طوقان ولحنه اللبنانيان الأخوان فليفل، بكى الحضور.
 
في الذكرى العاشرة لرحيل ياسر عرفات، التقيت بدلال أبو آمنة في سياق التحضيرات للمناسبة، وصلت إلى رام الله من الناصرة. في الحوار السريع الذي جمعني بها وبالموسيقار عودة ترجمان، كان واضحاً مدى خصوصية هذه الفنانة وجديتها وقدرتها على قراءة النص وتفكيكه والاقتراح بشأنه، كان مفرحاً أن تصغي إليها وهي تحاور عودة ترجمان في اللحن بهدوء ومعرفة.
 
كان هذا الاسترسال ضرورياً قبل أن نتحدث عن حملة صغيرة ومثيرة للشفقة حاولت تشويه الحضور المدهش للفنانة الفلسطينية، على قاعدة أنها تحمل الجواز الإسرائيلي، حملة ستشمل المليون ونصف مليون فلسطيني الذين لم يغادروا بلادهم وواصلوا مواجهة الاحتلال منذ النكبة قبل 75 سنة، بثقافتهم وحراستهم للهوية العربية ومقاومتهم ونضالهم السياسي.
 
في الضفة الغربية تحت الاحتلال تتصاعد منذ فترة حملة غريبة ضد الفعاليات الثقافية التي تنظمها مؤسسات ثقافية، حملة وصلت إلى الاعتداء الجسدي العنيف، وتدحرجت لتشكل ظاهرة بالغة الخطورة، يمكن هنا من باب التدليل استعراض الهجوم على عرض سماء عبد الهادي في ساحة النبي موسى، والاعتداء على مسيرة المسرح في رام الله، وقبل ذلك في العرض الراقص في جامعة النجاح والتنمر على المسرحية أميرة حبش...، تتصاعد هذه الحملة بعد اطمئنان أصحابها وإفلاتهم من الخضوع للقانون، وعجز أو تواطؤ أجهزة الأمن وتخليها ببساطة عن حماية العمل الثقافي والعاملين في الحقل، وترسل في ما يشبه بثاً مدروساً ومتواصلاً، تهديدات للمؤسسات والأفراد، على حد سواء، بحيث ألغيت فعالية ثقافية في مدينة بيت ساحور الأسبوع الماضي، بعد أن لم تتحمل الجهات الأمنية الرسمية مسؤوليتها في حماية الفعالية والمؤسسة، وبعد تقديم نموذج الهجوم على مسيرة مسرح عشتار في وسط رام الله، الهجوم الذي انتهى بـ"صلحة عشائرية"!
 
بينما الآن تصل التهديدات إلى مؤسسة عبد المحسن قطان، المؤسسة الثقافية الأهم في فلسطين.
لا يبدو أنهم في المؤسسة سيرضخون للتهديد كما حدث في "بيت ساحور"، أو البحث عن "صلحة" كما فعلت عشتار، هذا ما يشير إليه بوضوح البيان الصادر عن المؤسسة أمس.
 
يعرفون في الوسط الثقافي الفلسطيني جيداً أن الجهات الرسمية قد تركت الثقافة والمثقفين والعاملين في الحقل عرضة لعنف وتنمر مجموعة من الظلاميين والجهلة، وأنها، السلطة، تخلت عن دورها في توفير الحماية لحملة الهوية الوطنية والمدافعين عنها في مواجهة الاحتلال وأمام العالم، في تماه أصبح واضحاً مع الجهل كأداة لإرهاب الشارع وتبديد حيويته وكسر إرادته، وأن هذا التخلي المقصود تحول إلى سياسة متبعة لدى الأجهزة.
 
وأنها، السلطة أيضاً بفروعها ومشتقاتها، المؤسسة الثقافية الرسمية الصامتة ممثلة بوزارة الثقافة، والمؤسسة الأمنية التي تنحّت جانباً لتمر الاعتداءات والتي يبدو أنها تشارك المعتدين ثقافتهم وأفكارهم، ووزارة الخارجية التي تخلت بدورها عن المتابعة والعمل على توفير كرامة المواطن الفلسطيني وحقوقه في المطارات ونقاط الحدود، انسحبت بشكل مثير للمرارة من دورها وضرورتها ووقفت جانباً، بكل ما يعنيه هذا الانسحاب من نزعة استغناء شعبية تتصاعد في الشارع، استغناء عن وجودها وتكلفته الباهظة.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم