إعلان

نابليون بونابرت ينتصر في ذكرى وفاته!

المصدر: النهار العربي
باريس- فارس خشان
نابليون بونابرت
نابليون بونابرت
A+ A-
لو قيّد لنابليون بونابرت أن يعود الى الحياة ويستعيد الحكم الذي خسره إلى الأبد في "واترلو"، لكان إطلاق إسم إيمانويل ماكرون على جادة "شانزليزيه"، أوّل قراراته.
 
وكان ماكرون ليستحق هذه "المكافأة"، فهو الرئيس الفرنسي الوحيد الذي، منذ جورج بومبيدو، يتجاوز الإنقسام حول "الأمبراطور" ويقّرر تكريمه رسمياً، إحياءً للذكرى المئوية الثانية لوفاته منفياً في جزيرة "سانت إيلين"، في الخامس من أيّار (مايو) 1821.
 
وفي هذه الذكرى، تجدّد الجدل في فرنسا حول نابليون بونابرت، بين من يراه قائداً ملهماً، من جهة وبين من يعتبره رمزاً للطغيان، من جهة أخرى، ولكنّ ماكرون حسم الموضوع، سلطوياً، لمصلحة "الأمبراطور"، من دون أن يُحرجه أو يُسيئه جنوح البعض الى تشبيهه به، مديحاً أحياناً وسخرية أحياناً كثيرة.
 
رافضو تكريم نابليون يضعون تجربته التاريخية على مشرحة الحاضر، فيأخذون عليه إعادة العمل بنظام العبودية في المستعمرات الفرنسية، بعدما كانت الثورة الفرنسية قد ألغته، ويعيبون عليه ما يسمّونه "تحقير المرأة"، ليس في مقارباته فحسب بل في تكريسه "دونيتها" قانونياً أيضاً، ويستاؤون من حروبه التي كبّدت فرنسا وأوروبا ملايين القتلى، ولا يُسامحون نهجه التسلّطي في الحكم، بحيث انقلب على مكتسبات إسقاط الملك لويس السادس عشر الذي قطعت المقصلة رأسه.
 
"البونابرتيون" المعاصرون يرفضون هذه القراءة، لأنّ التاريخ، وفق مفهومهم لا تمكن قراءته، بمعطيات الحاضر، بل بظروف زمنه، ولهذا فإن "نابليون الأوّل" لمع اسمه وشقّ دربه، من خلال حماية الثورة من خصومها في الداخل والخارج، بعبقريته الإستراتيجية، وهو كرّس مبادئها الوطنية من خلال سنّ قوانين غير مسبوقة تراعي حقوق المواطن، مثل القانونين المدني والجزائي، وأورث الجمهورية نظام المحافظين والمدرسة الثانوية، وشهادة البكالوريا، ومجلس شورى الدولة وغير ذلك الكثير، وساوى بين الناس، عرقاً وديناً ولوناً، وفي مسألة نظام العبودية، إنّما كرّس ممارسات كانت طاغية في المستعمرات، ولم يكن قادراً على وضع حدّ لها.
 
وهذا الإنقسام "الفكري" حول "إرث بونابرت" أصبح انقساماً سياسياً في فرنسا، فاليمين، بمجمله، يعتبره واحداً من أهم ثلاث شخصيات رفعت إسم فرنسا عالياً، بعد الملك لويس الرابع عشر وقبل الجنرال شارل دو غول، فيما اليسار، بمجمله، يريد اعتباره "لطخة" في سجّل فرنسا التاريخي، ويؤيّده، في ذلك، للمفارقة، عتاة المحافظين في بريطانيا الذين يجدون وحدة حال، في النظرة "العدائية" أو "غير الودية" الى جزيرتهم، بين نابليون بونابرت وإيمانويل ماكرون.
 
وبعيداً من هذا الإنقسام الفرنسي حول "الأمبراطور" الذي يعتقد كثيرون أنّه سطّر اسطورته في المذكرات التي خصّص لها سنوات منفاه الأخير، وليس في ميدان المعارك وديوان السلطة، فإنّ الشعوب والسياسيين والدول تقطف ثماراً إيجابية كلّما قاربت تاريخها، قدحاً أو مديحاً، لأنّها، بذلك، تتمكّن من إجراء مناقشة مفتوحة حول المشاكل والصعوبات التي تعتري حاضرها، وتعي أنّ التاريخ لم يعد يكتبه المنتصرون إنّما الأجيال المقبلة، وتالياً، فإنّ من ينجو من محاكم اليوم لن ينجو مطلقاً من محاكم الغد.
 
و"محاكاة التاريخ"، وفق النهج الفرنسي في ما يختص بنابليون بونابرت، مدرسة لم تفتح أبوابها بعد في العالم الثالث، حيث اللاعبون الكبار في التاريخ محكوم عليهم، بالمعايير نفسها التي يتم فيها التحكّم بالأحياء، فهم، إذا واتوا الحاكم جرى تقديسهم، وإن كانوا شهوداً ضدّه، جرت شيطنتهم.
 
بعد مائتي سنة على رحيله، سجّل نابليون الأوّل انتصاراً جديداً، على يد الوسطي إيمانويل ماكرون الذي لا تستهويه عظمة التاريخ، فحسب بل يجاري مشاعر شعب يميل، في هذه اللحظة الفرنسية، بغالبيته نحو اليمين.
 
بعد مائتي سنة، يدخل نابليون بونابرت ناخباً مهماً، في بلاد غادرها مكسوراً، وظنّ المنتصرون أنّه أصبح مرذولاً.
 
وللمفارقة، ليست انتصارات عظيمة في التاريخ العسكري، مثل معركة أوسترليتز، هي التي أعادته عزيزاً إلى بلاده، بل إنجازات تشريعية وتنظيمية وفكرية.

الكلمات الدالة