إعلان

استراتيجيّة الأميركيين في المنطقة تجريبيّة

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
وليم بيرنز
وليم بيرنز
A+ A-
بداية لا بدّ من التوقف عند خبر موافقة لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين الدبلوماسي وليم بيرنز مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إي)، توطئة لتصويت الكونغرس على التعيين. فبيرنز دبلوماسي مخضرم سبق أن خدم في العديد من المناصب، ولعل اختياره على رأس الـ "سي آي إي" يمثل رسالة جديدة الى الإيرانيين مفادها أن المواقع الحساسة بالنسبة الى السياسة الخارجية والملف الإيراني لن تعيّن فيها شخصيات معادية لإيران، أو داعية الى عدم العودة الى الاتفاق النووي. إذ سبق لبيرنز أن عمل خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ضمن الفريق المتابع للاتفاق النووي، ويعتبر من الداعين الى العودة الى الاتفاق النووي أولاً وبدء خفض منسوب العقوبات، ثم طرح الملفات الخلافية مثل مسألة الصواريخ البالستية، والتمدد الإيراني في الشرق الأوسط التي يؤمن بيرنز بأن لا بد من معالجتها، ولكن بطريقة مختلفة عن الطريقة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب. فهو أقرب الى مناخ إدارة أوباما التي جعلت من الاتفاق النووي بنداً أولَ في جدول أعمال السياسة الخارجية، حتى على حساب العلاقة بالحلفاء التاريخيين مثل دول الخليج وإسرائيل.
 
ومن هنا يمكن اعتبار تعيين وليام بيرنز بمثابة "سلفة" على الحساب يقدمها الرئيس جو بايدن ومحيطه الموروث من إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما الى الإيرانيين أسوة بـ"سلفة" تعيين أنطوني بلينكن وروبرت مالي وآخرين ممن يشاطرون بايدن قناعته بضرورة العودة الى الاتفاق النووي أولاً. لكن ما يحول دون المسارعة الى العودة الآلية كما كانوا يطرحون خلال الحملة الانتخابية، مجموعة من المتغيرات التي طرأت على خريطة المنطقة:
 
أولاً "السلام الإبراهيمي" الذي حقق انقلاباً جذرياً في المشهد الشرق أوسطي مع التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. ثانياً أن التهديد الإيراني وصل الى نقطة تهديد وجودي لإسرائيل ولدول عربية مركزية حليفة للولايات المتحدة، ما دفع تلك الدول الى اتخاذ مواقف جذرية من التهديد الإيراني، ولو حصل صدام مع خيار إدارة الرئيس جو بايدن. فالمسألة كما أسلفنا، وجودية. وثالثاً، ذهاب الإيرانيين بعيداً في خرق بنود الاتفاق النووي لجهة التخصيب وصنع مكوّنات للسلاح النووي، فضلاً عن مواصلة تعزيز برنامج الصواريخ البالستية الذي يمثل تهديداً، ليس في الشرق الأوسط وحده، بل وصولاً الى أوروبا نفسها. هذه متغيرات لا يمكن إدارة الرئيس بايدن أن تتجاهلها. كما لا يمكنها أن تكرر أخطاء إدارة أوباما من دون عواقب على موقع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ومع الحلفاء. 
 
وسط كل هذا، نشر البيت الأبيض على موقعه الرسمي قبل يومين نص "الاستراتيجية الموقتة للأمن القومي" في 22 صفحة، وتضمن في ما تضمن المقاربة الأميركية لمسألة العلاقة مع إيران. وجاء في النص أن الولايات المتحدة ستستمر في جهودها للحد من الهجمات الإيرانية على المصالح الأميركية والحلفاء. كما أن واشنطن ستواصل التنسيق مع الشركاء الإقليميين من أجل منع طهران من تهديد وحدة أراضي دول المنطقة. وستعمل على تعطيل تنظيم "القاعدة" والشبكات الإرهابية التابعة له ومنع عودة "داعش"، ومعالجة الأزمات الإنسانية. وأخيراً بالنسبة الى الملف النووي الإيراني "أن الولايات المتحدة ستتبع المسار الدبلوماسي المبدئي للمعالجة"! 
 
من خلال النص المشار اليه آنفاً، يمكن القول إن الإدارة الأميركية الحالية لا تزال تتلمس طريقها في ما يتعلق بمقاربة العلاقة مع طهران. فالخيار الأساس هو العودة الى الاتفاق كما هو والعمل على التفاوض على الملفات الأخرى. لكن الضغط الداخلي في الكونغرس، مشفوعاً بضغط إسرائيلي متواصل يلوح بمغامرة عسكرية ضد إيران في حال التأكد من قرب استحواذها على القنبلة النووية، مهما كانت النتائج، إضافة الى مواقف الحلفاء العرب التاريخيين، ومقابلة الإيرانيين كل إشارات التقرب الأميركية بمزيد من المطالب المتشددة، وصولاً الى التحرّش المستمر بالمصالح الأميركية الدبلوماسية والعسكرية في العراق وغيره، كلها تمنع حتى الآن تحقق أمنية "الأوباميين" المسيطرين على مفاصل إدارة بايدن بالعودة الى اتفاق  2015 آلياً. 
 
في مطلق الأحوال، تبقى المنطقة ترقص على صفيح ساخن، كما تبقى الاستراتيجية الأميركية في المنطقة تجريبية، غير نهائية، يُخشى معها أن تنزلق الأمور في الأشهر المقبلة نحو مواجهة عسكرية إسرائيلية عربية مع إيران، بسبب التردد الأميركي المخيف. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم