إعلان

حول اللقاحات والشخصيات الهامّة

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
وصول اللقاحات الى السلطة الفلسطينية
وصول اللقاحات الى السلطة الفلسطينية
A+ A-
مثل كرة ثلج تدحرجت واقعة توزيع اللقاحات على الخاصة والمسؤولين وحرس الرئيس ومنتخب كرة القدم والعائلات المحيطة بالحاشية في رام الله. صمت الجهات المعنية الذي أخذ سمة التجاهل والتعالي سمح بتصاعد الانتقادات وتحوّلها حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعوات مؤسسات من المجتمع المدني معنية بالحقوق الى التحقيق، إضافة الى مساءلة قضائية تبناها مكتب المحامي الناشط أحمد الأشقر، القاضي السابق الذي أبعد عن موقعه بسبب انتقاده المعلن التّعديات "الرسمية" على مؤسسة القضاء الفلسطينية، الى أن أبعد نهائياً عن سلك القضاء عندما أحيل أخيراً على التقاعد القسري للأسباب نفسها.  
 
تفاقم الأمر تماماً ولم تعد ممكنة مواصلة التجاهل، وعندما حاولت وزارة الصحة "توضيح" الأمر، تحوّل كل شيء فضيحة، كمية الطعوم ومصادرها وطريقة توزيعها والمعايير التي سردها التوضيح. يظن البعض أن وزارة الصحة التي تخوض مواجهة غير متكافئة مع الوباء وضمن شروط بالغة الصعوبة، دفعت دفعاً لتحمل مسؤولية هذا السلوك الذي تسبّب به الآخرون.
 
حادثة "الاستيلاء" على الطعوم تكررت في لبنان، وثمة دخان يصعد من القصر الرئاسي في قرطاج  في تونس، وفي سوريا دخلت اللقاحات ضمن صفقة تبادل "الأسرى"، مستوطنة قطعت الحدود من الجولان الى مناطق النظام تم استبدالها باثنين من الأسرى السوريين ودفعة لقاحات.. بقليل من البحث يمكن الحصول على قائمة أطول.
 
ما الذي يجعل من موضوع مثل توزيع ما يقارب عشرة آلاف لقاح أزمة عميقة، غياب الثقة، من دون شك، وسوء إدارة مكافحة الوباء الذي يعكس سوء إدارة الشأن العام.
ستبدو الآن مثيرة للشفقة محاولة بعض المسؤولين الفلسطينيين تحميل الاحتلال مسؤولية توفير اللقاحات، وهو أمر لا جدال فيه، ولكن صدوره عن مسؤول في سلطة استولت على الكمية القليلة التي حصلت عليها لتطعيم نفسها، مخالفة البروتوكول الذي أعلنته والمعايير التي وضعتها منظمة الصحة العالمية، صدور مثل هذه الإدانة عن ناطق باسم هذه السلطة سيجعلها تبدو باهتة وسيمنح الاحتلال فرصة التنصل من المسؤولية.
 
تكشف "فضيحة اللقاحات" عمق الفساد الذي تراكم في النظام السياسي الفلسطيني، ومدى تحكم النخب وامتداداتها الاجتماعية، التي تحوّلت عبر العقدين الأخيرين ائتلافاً متوحشاً بين طبقة الموظفين الكبار والأجهزة الأمنية ورأس المال المتطفل، شكل ما يشبه جزيرة معزولة عن المحيط، جزيرة فقدت إحساسها بالمياه وتحصّنت بوهم قدرتها على البقاء، جزيرة غير عاقلة تواصل إغضاب المحيط.
 
لعل أحد أشكال تكوّن هذه الشريحة، إضافة الى تفكك علاقة النظام بقاعدته الاجتماعية، وتدوير الامتيازات والوظائف العليا في حلقات هذه النخب وتوريثها عائلياً، وتفاقم الفشل أمام انسداد أفق الحلول السياسية... يعود الى الاحتلال نفسه، الذي غذّى منذ اللحظة الأولى لوصول "السلطة" النزعة المفسدة لدى جزء من هذه النخب في تمييز نفسها، تحديداً الشريحة التي تتمتع بسلطة اتخاذ القرار والشرائح المحيطة بها، وتلك المفعمة بأمل أن تحيط بها.
 
الامتيازات أمر يمكن مناقشته وتبريره في الشروط العادية، ولكنه يصبح تحت الاحتلال نوعاً من الفساد المركّب، المهني والوطني.
هكذا تم تمرير قوائم "الشخصيات الهامة"، كنموذج على هذا الإفساد، أو الـ"في آي بي" اختصاراً، في ما يشبه إيماءات الرضى للمسؤولين الفلسطينيين.
الفكرة ساذجة وتخاطب بدهاء الرغبة في التعالي على الناس من جهة، وتعزز تمسك الحاصلين عليها، وهم غالباً الفئات الوظيفية العليا في السلطة وأصحاب رؤوس الأموال وبعض رجال الأعمال، بضرورة  وأهمية "التنسيق الأمني" كونها مرتبطة به وتشكل أحد ملفاته.
 
هذا التصنيف يمنح شريحة اتسعت خلال ثلاثة عقود من الاحتلال المحسّن الذي نشأ بعد تسلم السلطة الفلسطينية مهامها بناءً على اتفاقيات "أوسلو"، امتياز "أنكم أكثر أهمية من الناس".
انظروا، نحن نتعامل معكم بطريقة مختلفة، اختلاف في التعامل على المعابر، مثل "التنسيق" المسبق والدخول من ممر خاص مختلف عن ممر الحافلات التي تشحن الناس من استراحة أريحا الى قاعة الجسر. سيجلس حامل البطاقة في غرفة منفصلة وسيحصل على كأس عصير معلب أو فنجان قهوة أميركية وابتسامة من العاملات، ليس مضطراً أن يقف في الطابور مع الناس أمام شبابيك ختم الوثائق حيث الوجوه المتجهمة. ليس مضطراً للبحث عن أمتعته بين أكوام الحقائب والصناديق والأكياس، سواء في الجانب الفلسطيني أم الأردني. سيخرج من ممر جانبي رفقة مجندة إسرائيلية من دون المرور على الفتيان الجالسين أمام غرف المخابرات، وسيصعد في حافلة صغيرة بعيداً عن زحمة الحافلات الكبيرة المخصصة لبقية الناس.
 
داخل عالم "البطاقة" يسعى نظام آخر وتحدث تصنيفات أخرى، نوع من التصنيف المضاعف بحيث لا يتساوى المهمون، هناك "مهم فئة أ"، "مهم فئة ب"، و"مهم فئة ج".
حاولت الحصول على رقم تقريبي لحاملي البطاقة بفئاتها الثلاث، ولكنني لم أستطع، لأكثر من سبب، الرقم ليس صغيراً فهو يضمّ وزراء ووكلاء وزارات ووكلاء مساعدين ومديرين عامين ورجال أعمال وتجاراً وأعضاء مجالس، تشريعي ووطني ومركزي، وضباطاً وقادة فصائل ونقابيين... الى آخر هذه المناصب.
 
الأمر في المحصلة يبدو أقرب الى جوائز يمنحها "ضابط الشؤون المدنية" للبعض، أو دعنا نقول بوضوح أكثر شهادات "حسن سلوك" وعطايا يسعى لها البعض بمثابرة ودأب.
البطاقات ليست دائمة ويجري تجديدها أو حجبها أو تنزيل فئتها من قبل الاحتلال بين فترة وأخرى، في ما يشبه تقييماً لسلوك حامليها.
 
بعد ثلاثة عقود تحوّلت البطاقة ثقافة ونمط حياة، وتحكمت في سلوك معظم حامليها.
هذه الثقافة هي التي تحكمت في توزيع اللقاحات القليلة التي حصلت عليها السلطة، سواء عبر الاحتلال أو بجهود شخصية، والتي لم تتبع أولويات البروتوكول المعلن.
الأمر بدأ من هناك، من فكرة التعالي على الناس وبناء المسافة والجدران، بدأ من قبول البطاقة الأولى من يد الاحتلال، كان الأمر منوطاً برفضها، ولو حدث ذلك لتغيرت أشياء كثيرة.

 
 
الكلمات الدالة