إعلان

الجزائر... كل شيء يدعو الى الحراك

المصدر: النهار العربي
سميح صعب
سميح صعب
الى الشارع مجددا
الى الشارع مجددا
A+ A-
مدفوعاً بروح انطلاقته الأولى في 22 شباط (فبراير) 2019، أحيا الحراك الجزائري الشهر الماضي، الذكرى الثانية للتظاهرات التي استفزها إعلان الرئيس الجزائري عامذاك عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لولاية خامسة، على رغم أنه أمضى 20 عاماً في الرئاسة، ولم يظهر علناً منذ عام 2013، إلا نادراً بسبب ظروفه الصحية السيئة. 
 
الحراك، الذي بدأ عفوياً ومن دون قيادات معروفة، نظراً لتشكله من جيل شاب، سدت في وجهه الآفاق الاجتماعية والسياسية، وتعب من نخبة حاكمة، نخرها الفساد، وتالياً لم توفر لغالبية الناس الحد الأدنى من الحياة اللائقة معيشياً، على رغم أن الجزائر بلد نفطي وغني بمقدرات طبيعية أخرى.  
 
إبان الموجة الأولى من "الربيع العربي" عام 2011، تهيب الكثير من الجزائريين النزول إلى الشوارع، لأن "العشرية السوداء" لعقد التسعينات، كانت لا تزال طرية في ذاكرة الجزائريين، فكان تحركهم محدوداً جداً، وسارع بوتفليقة إلى تغييرات تجميلية صورية، من أجل تهدئة الشارع. 
 
لكن في 2019، برز جيل شاب متحرر من ذاكرة "العشرية السوداء"، كان يبحث عن المناسبة التي تتيح له الخروج إلى الوجود، فكان قرار بوتفليقة الترشح لولاية خامسة، النقطة التي طفح بها الكيل عند الجزائريين. وبعد أسابيع من التظاهرات المتواصلة، رضخ بوتفليقة واستقال، ليتسلم الجيش فعلياً الزمام.
 
عزوف بوتفليقة عن الترشح، لم يكن كافياً لإخراج المحتجين الذين بدأت ضغوطهم تتصاعد شيئاً فشيئاً لتشمل المطالبة بتغيير كامل الطبقة السياسية ومحاكمة الفاسدين منها، ولا سيما أولئك الذين كانوا يحيطون ببوتفليقة، وليس الاكتفاء بإبعاد بعض أفراد هذه الطبقة عن السلطة والذهاب للتنعّم بما جنوه من ثروات في الخارج. وثمة تقديرات أن حجم مداخيل الجزائر منذ تسلّم بوتفليقة الرئاسة في المرة الأولى عام 1999 وحتى عام 2019، بلغت تريليون دولار، بينما البلاد في أزمة اقتصادية مستفحلة ولا عزاء للجزائريين.   
 
بعد أفول مرحلة بوتفليقة، بات الجيش وجهاً لوجه مع الحراك الذي نظم احتجاجاته مرتين في الأسبوع، الطلاب أيام الثلثاء، والتظاهرات العامة أيام الجمعة سلمياً ومن دون استفزاز لقوى الأمن. واعتمدت المؤسسة العسكرية أسلوبي الترهيب والترغيب، وكانت دائمة التذكير من خطر انزلاق الجزائر مجدداً إلى الفوضى والعنف اللذين عرفتهما في التسعينات.
 
وفي محاولة من الطبقة الحاكمة لإنقاذ النظام، أجريت انتخابات رئاسية في كانون الأول (ديسمبر) 2019، على رغم معارضة الحراك الذي رأى في هذه الخطوة محاولة من النظام لتجديد نفسه. وفاز عبد المجيد تبون بالرئاسة وهو أحد الوجوه التي تولت مناصب في السابق وبينها وزارة الإسكان.
 
وتعهد تبون "تعزيز الديموقراطية، وحكم القانون وحقوق الإنسان". لكن الحراك استمر على زخمه حتى تفشي وباء كورونا أوائل 2020، وفرض السلطات قيوداً على التجمعات. وفي الفترة التي تلت، جرى تعقب الناشطين، الذين لجأوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي بعدما استحال عليهم الشارع. وألقي القبض على 73 ناشطاً بينهم صحافيون، وتعرضت مواقع الإنترنت للرقابة والإقفال على مدى عامين.  
وسعى تبون إلى إبداء الحرص دوماً على الحوار مع الحراك. وفي خطوة لإقناع المحتجين، بأن قضيتهم هي موضع اهتمام، ضمنت السلطات ديباجة التعديل الدستوري الذي أجرته فقرة تشيد بالحراك. 
 
لكن هذا لم يخفف من حدة معارضة الحراك للتعديل الدستوري، بوصفه لا يلبي الحد الأدنى من مطالبهم، وهي تقليص صلاحيات الرئاسة واستقلالية القضاء وتعزيز حماية حرية التعبير وبينها الصحافة. ودعا الحراك إلى مقاطعة الاستفتاء الذي أجري في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) 2020. وفعلاً، أتت نسبة الإقبال متدنية جداً بحيث اقتصرت على 23 في المئة أو ما نسبته 14 في المئة من إجمالي الناخبين المسجلين.   
النسبة المتدنّية للاقتراع، أفضت إلى التشكيك في شرعية الاستفتاء. ومع ذلك، مضى تبون في المصادقة على التعديل الدستوري، الذي لم يكن من وجهة نظر الحراك، يختلف كثيراً عن دستور بوتفليقة. 
 
ووصولاً إلى الذكرى الثانية لانطلاق الحراك، عادت الاحتجاجات إلى الساحات، في تأكيد أن هذه الظاهرة، لا تزال على قيد الحياة، وأنها قادرة على تجديد نفسها.  
ومجدداً، حاول تبون إرسال إشارات إيجابية نحو حركة الاحتجاج، فأمر في 18 شباط (فبراير)، بإطلاق 37 ناشطاً من معتقلي الحراك، بينما لا يزال 31 آخرون في السجون، وفق حصيلة لمنظمة العفو الدولية.  
على مدى عامين، أثبت الحراك الجزائري أنه قادر على الثبات والاستمرار على مطالبه بتغيير جذري للنظام، وليس الاكتفاء بتعديلات صورية، ليس من شأنها تحقيق إصلاح حقيقي يحدث فرقاً في حياة الجزائريين، وينتقل بهم إلى نظام سياسي حديث يعتمد الديموقرطية والشفافية والمحاسبة، قراراً وممارسة.

 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم