إعلان

ثمّة خيار جزائري آخر...

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
عبد المجيد تبون
عبد المجيد تبون
A+ A-
يصعب التكهّن بمدى التصعيد مع المغرب الذي يمكن أن يذهب اليه النظام الجزائري الذي اكتشف عام 2021 إلى أي حدّ يعاني من الإفلاس. وصل به الإفلاس الى حدّ الاعتقاد أنّه لم يعد أمامه سوى التصعيد مع المغرب، لعل وعسى يساعده ذلك في الهرب من أزمته الداخليّة.
 
تكمن مشكلة النظام الجزائري في أنّ التصعيد مع المغرب لا يمكن أن يفيده في شيء، على الرغم من كلّ مخاطره على البلدين، على الجزائر أوّلاً. يعود ذلك، قبل أيّ شيء آخر، الى واقع قائم على الأرض. يتمثّل هذا الواقع في أنّ كلّ رهانات النظام الجزائري، وهو نظام تسيطر عليه مجموعة عسكريّة، باءت بالفشل، من جهة، والى أنّ المغرب دولة حقيقيّة ذات مؤسسات راسخة، من جهة أخرى.
 
ليست القوى الخارجية، وفي مقدّمتها فرنسا، من صنع المغرب بحدوده الحاليّة. لا يحتاج المغرب الى شهادة من أحد لتأكيد أنّه دولة عريقة عمرها مئات السنين. على العكس من ذلك، لعبت هذه القوى الأجنبيّة دوراً في صنع الجزائر وفي توسيع حدودها على حساب المغرب. فعلت فرنسا ذلك من منطلق اعتقادها أنّها لن تخرج يوماً مما كانت تسميه "الجزائر الفرنسيّة".
 
من هذا المنطلق، يُفترض في النظام الجزائري البحث عن خيار آخر غير التصعيد مع المغرب، والتذرّع بشعارات فارغة عفّى عليها الزمن، من نوع العلاقات القائمة بين المملكة المغربيّة وإسرائيل، وهي علاقات علنيّة ومعروفة، إضافة الى أنّها ليست موجّهة ضدّ الجزائر بأيّ شكل. إذا كان النظام الجزائري يسعى الى التيقّن من ذلك، يستطيع سؤال المواطنين الجزائريين عن رأيهم في المغرب وفي سياسته. لو كان هناك أيّ اعتراض شعبي جزائري على المغرب وشعبه، لما كان ظهر كلّ هذا الودّ المتبادل بين الشعبين، عبر الجمهور الذي شاهد مباراة كرة القدم التي تواجه فيها فريقا البلدين في الدوحة أخيراً.   
 
قدّم المغرب كلّ الخدمات التي يستطيع تقديمها من أجل خدمة القضيّة الفلسطينيّة. هذا ما يعرفه الفلسطينيون قبل غيرهم. كلّ ما يفعله المغرب، إنما يفعله على نحو مكشوف. لم يستقبل أيّ مسؤول إسرائيلي في السر. أكثر من ذلك، شارك المغرب، في الماضي، عسكرياً في حرب تشرين الأول – أكتوبر 1973 على الجبهة السورية. روت دماء العسكريين المغاربة أرض هضبة الجولان المحتلة منذ عام 1967، وهي أرض لم يسع النظام السوري يوماً الى استعادتها باستثناء حرب 1973 التي أراد من خلالها اكتساب شرعية داخلية تمهيداً للانقضاض لاحقاً على لبنان، مستغلاً الوجود الفلسطيني المسلح فيه.
 
بدل التصعيد مع المغرب لأسباب واهية، تعبّر عن عقدة عميقة تجاه الدولة الجارة وشعبها، لدى النظام الجزائري طريق آخر يسير فيه. إنه طريق التصالح مع شعبه بدل متابعة الاقتصاص منه، عن طريق فرض شخص مثل عبد المجيد تبون رئيساً للجمهورية.
 
لم يقتلع الحراك الشعبي الجزائري، الذي استمر أشهراً عدة، الزمرة التي أحاطت بالراحل عبد العزيز بوتفليقة، من أجل إيصال عبد المجيد تبون الى موقع رئيس الجمهورية. حاولت تلك الزمرة عام 2020 إبقاء بوتفليقة رئيساً لولاية خامسة، على الرغم من أنه مقعد ولا يستطيع الكلام منذ صيف عام 2013!
 
في انتظار ما ستشهده سنة 2022 من تطورات، بما في ذلك انعقاد القمّة العربية في الجزائر، هذا إذا توافرت الظروف التي تسمح بذلك، يظل خيار التصالح مع الشعب الجزائري الخيار الأكثر واقعية للنظام الجزائري. يُغني مثل هذا الخيار عن مغامرات لا طائل منها، من نوع التقارب مع "الجمهورية الإسلامية" الإيرانية التي لديها حسابات خاصة مرتبطة بتغيير طبيعة الجزائر من داخل، وهي حسابات مرفوضة من الجزائريين أنفسهم. هل من يتذكّر دعم ايران للإسلاميين في الجزائر في مرحلة ما بعد عام 1988؟
 
يساعد تصالح النظام مع الشعب الجزائري في جعله يمتلك ما يكفي من الجرأة ليقول إن فلسطين، بالنسبة اليه، ليست مجرّد تجارة وشعارات أساءت الى القضية الفلسطينية ولم تنفعها بشيء. كما يساعد ذلك في استيعاب أن الصحراء مغربية، وأن كل ما في الأمر أن النظام في الجزائر قرّر منذ عام 1975 افتعال قضية الصحراء. لم يكن من هدف من وراء ذلك سوى شن حرب استنزاف على المغرب.
 
هل يريد النظام الجزائري تعلّم شيء من أحداث العام المنصرم، بما في ذلك أن أكثرية عربية واضحة تقف مع المغرب ومع استعادته أرضه من الاستعمار الإسباني... أم سيكرّر الأخطاء ذاتها في سنة 2022؟
 
يقف النظام الجزائري في الوقت الحاضر عند مفترق طرق. يقف بين السير في الطريق الخطأ ذاته، ومراجعة الذات. مثل هذه المراجعة تحتاج الى شجاعة وجرأة لا يمتلكها عادة غير قياديين يريدون بالفعل الخير لشعبهم. تفتقد الجزائر للأسف مثل هذا النوع من القياديين الذين يمكن أن يوفروا عليها الغرق في أوهام، من نوع أن لديها نموذجاً غير نموذج البؤس وتبديد أموال النفط والغاز... والفساد بغية الظهور في مظهر نصير الشعوب المظلومة. كان يمكن لمثل هذه الأوهام أن يكون لها أساس ما، لولا أن الشعب المظلوم فعلاً هو الشعب الجزائري.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم