إعلان

ألغام في الدستور الجزائري الجديد

المصدر: النهار العربي
أزراج عمر  
أزراج عمر  
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون
A+ A-
بعد عودة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون من ألمانيا، يوم الثلثاء الماضي حيث تابع على مدى شهرين علاجه جرّاء إصابته بكوفيد-19، وقَع رسمياً يوم الأول من كانون الثاني (يناير) الجاري، المرسوم الرئاسي الخاص بتعديل الدستور الذي أصبح الآن وثيقة رسمية جاهزة لتنظيم الحياة السياسية في البلاد.
 
من الملاحظ أن النظام الجزائري لم يستمع إلى المعارضة التي دعت مراراً إلى عدم التوقيع على هذا التعديل إلا بعد مراجعة بعض مواده أو تغييرها جذرياً بما في ذلك البنود التي تتعلق بالشروط الضرورية التي يجب توفرها في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية وغيرها من المواد والبنود الأساسية ذات الصلة بحقوق الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج وباللغة الأمازيغية التي يبدو واضحاً أن موقعها في الدستور ملغم كما سنبين في ما بعد. 
 
في خصوص هذه المسائل نبدأ أولاً بالاشارة إلى المشكلات التي تثيرها المادة 87 من الدستور التي تشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية أن يتمتع بالجنسية الجزائرية الأصلية فقط وأن لا يكون مزدوج الجنسية وأن يثبت أيضاً الجنسية الجزائرية الأصلية لوالديه. فالنقد الذي وُجه ولا يزال يوجه إلى هذه المادة وإلى البنود المتفرعة عنها يستند إلى حجة وهي أن قانون الجنسية الذي يقرّ به التشريع الجزائري والمعمول به حتى الآن يعطي الحق لأي جزائري في حمل جنسيتين في آن، كما أن حيثياته لا تتضمن أي تنبيه واضح للمواطنين والمواطنات إلى العواقب التي تسقط حقوق المواطنة أو أجزاء محددة منها وفي مقدمها الترشح لمنصب رئيس الدولة، وكذلك الوصول بسلاسة إلى المناصب العليا التي تُحدد في الجزائر بالوظائف السامية في الدولة. 
 
أكثر من ذلك، فإن الجزائريين يُدركون جيداً عدم شرعية المادة 87 التي فرضتها مرحلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة حيث وضعتها كحجر عثرة أمام طموحات الناشط السياسي الجزائري المغترب في فرنسا والمسجون راهناً السيد رشيد نكاز الذي يحمل الجنسية الفرنسية. فالرأي العام الوطني قد استهجن هذه المادة الجائرة التي فرضت على جميع الجزائريين المغتربين وغير المغتربين الحاملين للجنسيات الأجنبية أو المتزوجين بالأجنبيات، كما اعتبرت الإقامة الدائمة في الجزائر لمدة عشر سنوات قبل الترشح للرئاسة شرطاً قاسياً هدفه الجوهري هو سدّ أبواب الترشح في شكل نهائي أمام كل أبناء وبنات الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، علماً أن أدبيات النظام الجزائري ما فتئت تطالب باستعادة الكفاءات الجزائرية واستقطاب الكفاءات المهاجرة لتساهم في تحديث وتطوير الدولة والمجتمع الجزائري.
 
إلى جانب ما تقدم، فإن المادة 87 تتناقض في شكل مطلق مع الشعار المرفوع في عهد بوتفليقة وبعد إزاحته من قصر المرادية، والداعي إلى فتح المجال للشباب الجزائري، بغية إدخال العنصر الشبابي في أجهزة الدولة الجزائرية، الأمر الذي جعل هؤلاء الشباب يصطدمون بمجموعة البنود المكوّنة لهذه المادة، منها البند الذي يفرض بقوة أن يكون عمر المرشح للرئاسة أربعين سنة كاملة يوم الانتخاب. وفي الواقع، فإن هذا الشرط المفروض من دون مشاورات أو نقاش ديموقراطي لا يتطابق، سواء مع التقاليد السياسية الجزائرية السابقة حيث كان، مثلاً، عمر الراحل هواري بومدين يوم تولى منصب رئيس الدولة 33 سنة فقط. 
 
وزيادة على ما تقدم، فإننا نجد في المادة المذكورة آنفاً بنوداً تتناقض مع شعار التعددية السياسية والثقافية والدينية التي تلتزم بها الدول الديموقراطية حيث أنه من المستغرب، مثلاً، أن يحرم أي مواطن أو مواطنة ينتمي إلى ديانة أخرى، ضمن بنية وإطار المجتمع الجزائري، من الوصول إلى منصب رئيس الدولة علماً أنه يوجد في الجزائر أقلية مسيحية جزائرية الأصل لا يمكن التشكيك مطلقاً في أصالة ووطنية معتنقيها.
 
ويلاحظ أيضاً أن البند الذي يشترط في المرشح لمنصب رئيس الجمهورية أن يكون قد شارك فعلياً في ثورة أوّل تشرين الثاني (نوفمبر) 1954، إذا كان مولوداً قبل تموز (يوليو) 1942، غير مبرر لأن هناك جزائريين وجزائريات لم تسمح لهم الظروف المشاركة في الثورة، ولكن عدم هذه المشاركة لم يتزامن مع ارتكابهم للخيانة التي تخلّ بوطنيتهم. وفي هذا الخصوص هناك من يتساءل: لماذا يُقحم هذا البند الذي يقصي أبناء وبنات بعض الأباء والأمهات الجزائريين والجزائريات الذين تورطوا مع الاستعمار الفرنسي لأسباب مختلفة؟ وهل من العدالة فرض أخطاء آبائهم عليهم علماً أن هؤلاء الأبناء كانوا صغاراً وأبرياء في ذلك الوقت؟ وهل صحيح أن خيانة الآباء تنتقل حتماً إلى جينات الأبناء؟ وإذا كانت هذه التهمة حتمية دائماً فلماذا تم الترحيب بانضمام عدد كبير من الجزائريين المدعوين بضباط فرنسا إلى الصفوف القيادية للجيش الوطني الشعبي سواء في عهد حركة التحرر الوطني أو في مرحلة الاستقلال، علماً أن بعضهم قد كان على رأس وزارات سيادية منها وزارة الدفاع الوطني المسؤولة عن أمن الدولة برمتها؟
 
وفي الحقيقة، فإن الوضع الاستعماري الفرنسي في الجزائر قد خلق دراما إنسانية مؤلمة، ولذلك فإن ملف الجزائريين الذين عملوا ضمن صفوف الجيش الفرنسي يحتاج فعلاً إلى دراسة عادلة وجادة لفرز المذنبين وأولئك الذين جندتهم فرنسا بالقوة في مرحلة الحرب الدموية لغاية الاستقلال عام 1962، وأبناء الآباء الجزائريين الذين أرسلتهم الادارة الاستعمارية، رغم أنوفهم، ليشاركوا في الحرب الهندية - الصينية ضمن صفوف الجيش الفرنسي.
 
وفي سياق آخر، نجد هذا الدستور الجديد والمعتمد الآن له موقف متأرجح بشأن اللغة الأمازيغية، والتي اعتمدت لغة رسمية في مرحلة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وحالياً أيضاً... ويتمثل هذا التناقض في كون البند 4 من المادة 212 يؤكد بقوة أنه لا "يمكن أيّ تعديل دستوريّ أن يمسّ العربيّة باعتبارها اللّغة الوطنيّة والرّسميّة"، ولكن هذا البند ذاته يستثني اللغة الأمازيغية الرسمية من إمكان المساس بها في أي تعديل في المستقبل، ويعني هذا في لغة التشريع أنه يمكن نزع صفة "الرسمية" عنها في المستقبل المنظور.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم