إعلان

لبنان ساحة نفوذ إيراني خارج "المقايضة"!

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
ابراهيم حيدر
أعلام إيران و"حزب الله"
أعلام إيران و"حزب الله"
A+ A-
ما إنْ انطلقت مفاوضات فيينا النووية حتى هدأت الجبهات الساخنة في المنطقة، خصوصاً المناطق التي تعتبر تحت التأثير الإيراني. فإلى جانب ملف التفاوض النووي، يُتوقع إذا تقدم على صعيد البنود الخلافية وتذليل العقد بين الولايات المتحدة وإيران واستطراداً القوى الدولية، أن يكون هناك نقاش في ملفات المنطقة، لا سيما النفوذ الإيراني فيها. وتشير الوقائع إلى أن الوصول إلى تفاهم جديد حول الملف النووي، إن كان بالعودة إلى الاتفاق السابق أو بإدخال تعديلات عليه، سينعكس على أوضاع المنطقة، بدءاً من ملف اليمن للتوصل إلى تسوية في هذا البلد وما اذا كانت ستعطي الإيرانيين نفوذاً أكبر، إلى حل الأزمة العراقية لجهة تشكيل الحكومة الجديدة وفق التوازنات التي أنتجتها الانتخابات الأخيرة، أو تقاسم الهيمنة والنفوذ، فيما الملف الثالث هو الوضع في سوريا، والوجهة إعادة ترتيبه بالعلاقة مع الروس، وإعادة تموضع القوى الإيرانية و"حزب الله" خصوصاً في مناطق الجنوب السوري المتاخمة لإسرائيل. يبقى لبنان الذي يشكل النقطة الأخيرة، إذ إن ترتيب الملفات كلها سينعكس على وضعه، باعتباره مساحة نفوذ إيراني لا يُتخلى عنها، وهو في الأساس يعاني من تعقيدات سياسية وانهيار معالم الدولة.
 
لبنان هو الحلقة الأضعف بين الدول أو مناطق الصراع الإقليمي والدولي. الوقائع دامغة في هذا السياق. البلد منكشف وغير محصّن وطنياً ويسهل على الخارج الاستثمار في الداخل اللبناني من كل أبوابه. ففي مجال النفوذ الذي يقاس بمقدار الداخل، تبدو الهيمنة الإيرانية واضحة وفقاً لموازين القوى القائمة. إيران استثمرت في "حزب الله" وباتت أكثر قوة من الآخرين، طالما ذراعها المسلحة التي ترفع شعار "المقاومة" واستطراداً الشيعية السياسية متحكمة بالمسار اللبناني العام ومتقدمة على الطوائف الأخرى التي تغالب أو المذهبيات التي تسعى إلى إعادة ترتيب أوضاعها وبناء وزن أهلي لها في التركيب اللبناني الحالي. وما نشهده من صراعات وقدرة على التعطيل يدل على مساحة النفوذ الإيراني في لبنان، وهو موقع لن تتخلى عنه في إطار الاتفاقات على هامش المفاوضات النووية.
 
وإذا كان لبنان ساحة نفوذ إيراني، إلا أن الأميركيين في سياستهم ساهموا أيضاً في تحويل البلد ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات. فهم عاقبوا كل اللبنانيين عندما رأوا أن البلد يعيش تحت النفوذ الإيراني، فيما تستخدم طهران عبر فائض قوتها وذراعها في الداخل اللبناني كل ما تراه مناسباً لمنع المسّ بمكتسباتها وهيمنتها بما في ذلك عنصر القوة والبطش والتأديب. وعليه لا يمكن للحل اللبناني أن يتقدم من دون كلمة حاسمة للإيرانيين، بما فيها الملفات العالقة داخلياً ومنها الحكومة والقضاء وتفجير المرفأ وتلك المرتبطة بالصراع الإقليمي، وأبرزها ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.
 
في ملف ترسيم الحدود، لا يمكن التقدم فيه من دون كلمة إيران فيه، وموافقة "حزب الله"، فهو استراتيجي، كونه يحسم معه ملفات أساسية تتعلق بالصراع مع إسرائيل ومصير سلاح "حزب الله" ودوره ايضاً في سوريا والمنطقة، وهو أمر يعرفه مثلاً رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، ويشكل نقطة خلافية، إذ إن عون يريد أن يستعيد علاقته بالأميركيين أو على الأقل أن يستدرج العروض، ويريد في الوقت نفسه استمرار العلاقة مع الحزب وكسب وده، حيث للأمر علاقة بالملفات المقبلة، خصوصاً الانتخابية النيابية والرئاسية وتقديم جبران باسيل كمرشح للاتفاق عليه بين الإيرانيين والأميركيين.
 
لماذا هذا الملف يمكن أن يتقدم على غيره من الملفات في المعادلات اللبنانية؟ أولاً لأن إيران أكثر قدرة على التأثير في الداخل اللبناني عبر مساحات نفوذها إلى حد أن لبنان هو ساحة نفوذ لها. فالحكومة اليوم لا تنطلق من دون موافقة "حزب الله" وكذلك التحقيق في انفجار المرفأ، وفي السياسة الخارجية الأمر محسوم بالتحالف مع ميشال عون وإن كان في بعض الملفات لديه حسابات داخلية مسيحية وأخرى تتعلق بالرئاسة. يبقى ملف ترسيم الحدود المرتبط بالملفات الإقليمية والدولية، وهو جزء من كباش يتخطى الداخل اللبناني. فالوصول إلى اتفاق على الترسيم لا يمر من دون موافقة "حزب الله" لارتباطه بحسابات إيرانية في التفاوض النووي مع الولايات المتحدة المهتمة بإنجازه بين لبنان وإسرائيل. وبات معلوماً أن إيصال الغاز المصري والكهرباء الأردنية عبر سوريا بموافقة الولايات المتحدة، لا يتمان من دون موافقة إيرانية، وهو ما ترجم بأخذ مصلحة النظام السوري في هذه المشاريع بالاعتبار.
 
ولارتباط الأمر بملف المفاوضات، كان لافتاً إرجاء زيارة المبعوث الأميركي أموس هوكشتاين إلى لبنان، إذ يتبين أنه مرتبط بإحراز تقدم ما على المستوى النووي والملفات الإقليمية الأخرى، فيما الوضع السياسي في لبنان لا يسمح بالتقدم خطوات نتيجة الخلاف اللبناني على حدود الترسيم والمنطقة والخطوط البحرية، خصوصاً أن عون لم يوقع على تعديل قانون الخط البحري، وبعث برسائل الى الأميركيين توحي بأنه يريد إنجاز الملف على رغم الخلافات، ولا مانع من الحصول على مساحة الـ860 كيلومتراً مربعاً. لكن هذا الأمر غير محسوم حتى الآن في التفاوض، ولن يُحدد التقدم إلا من خلال أجندة متكاملة توزع ساحات النفوذ على هامش الاتفاق النووي، ومنها الوضع العسكري لـ"حزب الله" إذا قالت طهران كلمتها النهائية. وفي المحصلة يستمر لبنان ساحة نفوذ إيراني واستثمار خارجي ولا مانع لواشنطن في ذلك.
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم