إعلان

إيران: بايدن يبدأ من حيث انتهى ترامب

المصدر: النهار العربي
علي حمادة
علي حمادة
صواريخ باليستية إيرانية
صواريخ باليستية إيرانية
A+ A-
 من الواضح أن إيران المثخنة بالجراح الاقتصادية جراء سياسة "الضغط الأقصى" التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترامب على مدى عامين ونصف عام، والجراح المعنوية جراء الضربات المتتالية التي تلقتها من الإدارة عينها ومن إسرائيل في كل من سوريا والعراق وصولاً الى قلب إيران، حيث مثّلت تصفية كل من قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، و"أبي القنبلة النووية" محسن فخري زاده ذروة الاستهدافات الأمنية العسكرية التي أصابت "كبرياء" الجمهورية الإسلامية، من الواضح أنها تراهن على رحيل الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب وتنتظر بفارغ الصبر "الاستراتيجي" تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن يوم العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) المقبل لتتنفس الصعداء، آملة أن تبدأ مع تسلّم بايدن مهامه، ومعه طاقم السياسة الخارجية، وعلى رأسه وزير الخارجية العتيد أنطوني بلينكن، مرحلة جديدة تتراجع فيها أميركا، ولو تدريجياً عن سياسة "الضغط الأقصى" التي أوصلت اقتصادها الى الحضيض وعرّضتها أمنياً وعسكرياً الى تحديات كبيرة جداً، ودفعت بها الى موقع دفاعي متواصل خلال أكثر من ثلاثين شهراً متتالياً.
 
وتأمل إيران أن تغيّر إدارة الرئيس بايدن اتجاهات سياستها في ما يتعلق، أولاً، بالاتفاق النووي عبر الالتزام بعودة أميركا الى مجموعة الـ"5+1"، وبأن تبدأ مسيرة رفع العقوبات الاقتصادية، وتراجع الهجوم الاستخباري الأميركي - الإسرائيلي المنسق على أنشطة إيران النووية في الداخل، وأنشطتها الأمنية والعسكرية في الإقليم، لا سيما في العراق وسوريا ولبنان.
 
وتأمل إيران أيضاً أن ينطلق بايدن في تصديه لملف إيران من حيث انتهى الرئيس الأسبق باراك أوباما، لا من حيث انتهى الرئيس دونالد ترامب. وهنا المفارقة. فبايدن الذي تحدث قبل يومين للمرة الأولى الى صحيفة "نيويورك تايمس" الأميركية عن إيران، خرج نوعاً ما عن الموقف الذي كان أعلنه خلال الحملة الانتخابية عندما قال إنه سيعيد أميركا الى الاتفاق النووي مع إيران، فقال إن العودة الى الاتفاق النووي ستكون أكثر صعوبة، وإن إيران مطالبة، ليس فقط بالعودة الى الالتزام بمندرجات الاتفاق، بل الى الجلوس الى طاولة المفاوضات للبحث في خطوات أخرى متصلة بالاتفاق ومكملة له.
 
وقال بايدن رداً على سؤال عن العودة الى الاتفاق النووي: "سيكون الأمر صعباً، ولكن نعم". وأضاف: "إذا عادت إيران الى الامتثال الكامل للاتفاق النووي، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تعود الى الاتفاق باعتباره نقطة انطلاق لمتابعة المفاوضات ورفع العقوبات". لكنه استدرك بالإشارة الى أن "هناك الكثير من الحديث عن صواريخ دقيقة وأشياء أخرى تزعزع الاستقرار في المنطقة ...". هذا الموقف الأخير الذي أدلى به في المقابلة التي أجراها معه الصحافي توماس فريدمان الذي سبق أن كتب مقالة هامة في الصحيفة عينها، لافتاً الى خطورة ملف الصواريخ الدقيقة، يمثل نقطة يفترض أن يتوقف عندها الإيرانيون الذين سارع برلمانهم رداً على تصفية فخري زاده، الى التصويت على توصية ملزمة للحكومة برفع مستوى تخصيب اليورانيوم الى 20 في المئة. كما يفترض أن يتوقف عندها الجناحان في السلطة اللذان يتصارعان على أبواب الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في شهر حزيران (يونيو) المقبل. فموقف الرئيس الإيراني حسن روحاني رافض للتصعيد في هذه المرحلة، لا سيما أنه يعمل بالتنسيق مع شركاء أوروبيين على سحب أي ذريعة يمكن للأميركيين أن يتخذوها لإطالة أمد سياسة "الضغط الأقصى" والعقوبات الهائلة التي تمخّضت عنها لغاية اليوم. ولكن هل يمكن روحاني أن ينتظر عودة أميركية سلسة الى الاتفاق النووي؟
 
إنه سؤال معقد، وقد ازداد تعقيداً بعد مقابلة بايدن الأخيرة التي تحدث فيها عن صعوبة العودة الى الاتفاق وعن ملف الصواريخ البالستية الدقيقة التي تطورها إيران وتمثل تهديداً وجودياً لحلفاء أميركا في المنطقة، وفي مقدمتهم إسرائيل ودول الخليج. ولعل في إشارة بايدن الى أن امتثال إيران الكامل للاتفاق هو "نقطة انطلاق" لمتابعة التفاوض ورفع العقوبات، ما يفيد بأن الرئيس الأميركي المقبل الراغب مبدئياً في العودة الى الاتفاق النووي مع إيران، يضع شروطاً مسبقة للعودة ورفع العقوبات، ويستدرج الإيرانيين الى طاولة مفاوضات مكملة لمفاوضات الاتفاق النووي الذي أبرم صيف 2015 كان على الرئيس الأسبق باراك أوباما أن يسعى اليها، إذ إن السقوف الزمنية للاتفاق قصيرة جداً، وحصلت إيران على مبالغ مالية ضخمة جراء رفع العقوبات عنها مكّنتها من تمويل سياسات توسعية في المنطقة، كما أنها أسهمت في تطوير صناعاتها الصاروخية البالستية من دون رقابة. من هنا إعادة وضع ملف المهل الزمنية وبرنامج الصواريخ الدقيقة وسلوك إيران في الشرق الأوسط على طاولة المفاوضات نقطة انطلاق. 
 
كل ما سبق يعني أن بايدن سيبدأ من حيث انتهى ترامب، لا بل من حيث انتهى أوباما! 

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم