إعلان

أرض الله الصغيرة... في انتظار "جو بايدن"

المصدر: النهار العربي
غسان زقطان
غسان زقطان
عسكر "حماس" في غزة
عسكر "حماس" في غزة
A+ A-
"أرض الله الصغيرة" عنوان رواية للكاتب الأميركي ارسكين كالدويل صاحب رواية "طريق التبغ". "تي تي"، هو اسم الشخصية الرئيسية في الرواية، يؤمن بطريقة ما أن ثمة كنزاً مخبأً في أرضه، لذلك يبدأ التفتيش عنه بعد أن جند الجميع في عمليات التنقيب، العائلة والمزارعين والعمال، وللحصول على البركة الإلهية سيترك قطعة صغيرة وخصبة من أرضه ويخصصها للرب، ولكنه بسبب أعمال التنقيب سيمنح نفسه سبباً بين وقت وآخر لتحريك موقع الأرض التي اقتطعها للرب، الى أن تستقر في زاوية صخرية بعيدة لا تنبت شيئاً. لن يعثر "تي تي" على الذهب ولكنه سيتسبب في تفكيك عائلته وتحطيم نسيجها الاجتماعي وإفساد ملكيته.
 
تذكر هذه الرواية بـ "المصالحة" الفلسطينية التي يجري نقلها من موقع الى آخر منذ طرحت للمرة الأولى باعتبارها هدفاً وطنياً رئيسياً، صبيحة انقلاب "الإخوان المسلمين" في غزة صيف 2007. وهو انقلاب دموي نفذته "حماس" وأطلقت عليه صفة "الحسم العسكري"، لمنحه لمسة الانتصار، بخاصة أنه لا يشي بالخصم الذي حسم الأمر معه من جهة، ولتعزيز فكرة "المقاومة" المرتبطة في مخيلة الإسلام السياسي بالسلاح.
 
يحبون في "معسكر المقاومة"، وهي أيضاً صفة مقترحة، منح الكوارث التي يتسببون بها صفات وطنية، او تزيينها ببلاغة تترك أثراً لدى السامع. هذا أمر لا ينجح دائماً كأن تطلق تسمية "وطنية" على عملية قتل عشرات الأشخاص وإعدام أعداد أخرى وتشويه المئات من الشباب وافراد الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية وأعضاء في حركة "فتح"، والاستيلاء على السلطة في قطاع غزة وعزل القطاع عن الضفة الغربية، والتحكم بمصائر الناس بأدوات بوليسية، ثم جمع كل هذا تحت اسم "الحسم العسكري". "مسيرات العودة" أيضاً يمكن إلحاقها بهذه البلاغة، وهي دفع حشود من الناس العزل، اليائسين والمنهكين من الحصار وفقدان الأمل، نحو  "الشبك" وأبراج الحراسة حيث يتحصن جنود الاحتلال خلف فوهات بنادقهم، "مسيرات العودة" تحولت حفلات صيد للفتيات والفتية.
 
لا يهم ما يقوله موسى أبو مرزوق، أحد الزعماء الخالدين في تراجيديا المصالحة الفلسطينية، او ابو زهري، هذا ظاهرة اعلامية، او الزهار والأخير يصعب تفسيره، لم يعد مهماً أيضاً ما يصدر عن المقاطعة أو عن حامل الملف عزام الأحمد وسواه، لم يعد مؤثراً مهرجان التباكي على الوحدة الوطنية، تفككت بشكل مثير للشفقة منظومة "الوحدة الوطنية كخيار استراتيجي"، وانتهى أمر "الخط الأحمر" المتحرك الذي يجري نقله من مكان الى آخر بحسب الحاجة، بطريقة "تي تي" وأرضه الصغيرة الممنوحة للبركة نفسها.
 
ثمة عودة مرسومة الى المواقع التي سبقت حقبة ترامب، يمكن فتح الحقائب المركونة في الزاوية بانتظار سيناريو "بايدن"، والعودة الى عالم متفق عليه وبلاغة جرى اختبارها واصطفافات مأمونة، "المصالحة" والانتخابات والوحدة وتكوين "اطار فصائلي للمقاومة الشعبية" والبيان الرقم واحد، واجتماع الأمناء العامين ورحلة إسطنبول والقاهرة كل هذا يمكن اضافته الى "الفوضى" التي تسبب بها ترامب والتي لم يعد أحد بحاجة اليها الآن.
 
ستعود "حماس" لمتابعة "الحسم العسكري" وتنزيل حقائب "المندوب القطري" التي اجتازت الحاجز/المعبر الإسرائيلي قبل قليل والتأكد من أموال "المنحة"، وسيواصل متحدثوها إدانة "التنسيق الأمني" ونقل "المصالحة"، أرض الله الصغيرة، الى زاوية أبعد. وهو بالضبط، ما ستفعله "السلطة" في رام الله مع تحديثات شكلية تطلبتها الظروف الجديدة، وسينهمك الجميع في عد أموال المقاصة القادمة عبر تحويلات بنكية من إسرائيل، والحديث عن التنمية ومواجهة الجائحة.
 
كما يمكن توقع عودة المساعدات الأميركية للأجهزة الأمنية ومشاريع البنية التحية ومستشفيات القدس والأموال التي قطعتها ادارة ترامب عن ميزانية "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين"، التي تركت أثراً عميقاً في خدماتها الصحية والتعليمية والتشغيلية التي كانت تقدمها لمخيمات اللاجئين في الضفة وغزة والأردن وسوريا ولبنان.
 
في إسرائيل، أيضاً، تنهض ورشة لإعادة ترتيب الأمور، تم التصويت على حل الكنيست والتوجه الى انتخابات مبكرة خلال 90 يوماً بالقراءة التمهيدية بعد أن انضم غانتس وحزبه الى مشروع القانون الذي طرحه زعيم المعارضة، بالتوازي مع تشكيل لجنة تحقيق في قضية الغواصات الألمانية حيث تتواصل عملية مطاردة متدحرجة لنتنياهو الذي انكشف ظهره برحيل ترامب وكوشنر، وسيضطر في هذه الجولة للحفر بيديه وصناعة هداياه على طاولة المطبخ. 
 
في زاوية من المشهد ظهر جنرال جديد، "ايزكونوت"، رئيس الأركان السابق، بعد فشل الجنرالات الثلاثة، غانتس، ايلون واشكنازي، لا يستطيعون في إسرائيل الذهاب الى انتخابات من دون جنرالات، الجنرالات هم لقية الأحزاب والدبابيس التي تلمع في القوائم، ايزكونوت يبدو ملائماً وقد حصل مبكراً على 15 مقعداً في استطلاعات الرأي لو شارك تسيبي ليفني في قائمة واحدة.
 
يمكن استعادة الكثير من الأثاث والملابس والصور القديمة في الاقليم، يمكن أيضاً استعادة المقاعد القديمة وتعليق الصور القديمة التي أفسدها ترامب. ولكن سيكون من الصعب استعادة الثقة، ثمة ما تغير في الشارع خلال السنوات الأربع الأخيرة في لبنان وفلسطين والعراق وبدرجة أقل في سوريا، لقد تم دفع النخب الحاكمة والصيغ القديمة تحت ضوء النهار وتبيّن للمارة حجم فسادها، هناك تلك الأشياء التي لم يعد ممكناً ترميمها أو التعايش معها، وهذا يشمل الشارع الإسرائيلي الذي يتظاهر منذ ستة أشهر ضد نتنياهو. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم