إعلان

وفاة جيمس بوند... أحد أسلحة الحرب الباردة

المصدر: النهار العربي
خيرالله خيرالله
خيرالله خيرالله
شون كونري بدور جيمس بوند
شون كونري بدور جيمس بوند
A+ A-
 مع وفاة الممثل شون كونري عن تسعين عاماً، بات في الإمكان القول، بكلّ راحة ضمير، إن جيمس بوند توفّي حقيقة. لم يستطع أي ممثل أخذ مكان شون كونري في دور جيمس بوند. ما مات، في الواقع، كان إحدى أيقونات النصف الثاني من القرن العشرين بكلّ ما شهده من أحداث مثيرة في ظلّ الحرب الباردة التي استمرت ما بين 1945، عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وخريف العام 1989 لدى سقوط جدران برلين كمقدمة لسقوط الاتحاد السوفياتي، رسميّاً، مطلع العام 1992.
 
في خمسينات القرن الماضي، صنع الروائي ايان فليمينغ شخصية العميل في أجهزة الاستخبارات البريطانية التي لم يوجد في العالم من يجسدها أفضل من شون كونري الفخور باسكتلنديته. لدى شون كونري كتاب واحد عن شعوره بالفخر، بسبب كونه اسكتلندياً. أدّى ذلك الى تأخير الملكة أليزابت منحه لقب "سير" الذي لا يحظى به سوى أولئك الذين قدّموا خدمات جليلة لبريطانيا.
 
كثيرون لعبوا دور جيمس بوند بعدما أراد كونري نفسه التخلي عن هذا الدور برغبة منه. كان الذين حلّوا مكانه بمثابة بدل من ضائع للممثل الذي صنع نفسه بنفسه انطلاقاً من لا شيء بفضل ذكائه الحاد الذي مكّنه من أن يصبح رجلاً على علم بكل ما هو جميل في هذا العالم. من الفنادق الى المطاعم الفخمة، الى طريقة اختيار الملابس والسيارات، الى الشراب الذي يتناوله (فودكا مارتيني)... الى الخبرة في النبيذ والنساء الجميلات. من رجل عمل سائقاً لشاحنة، الى رجل ذي ذوق رفيع يقود سيارة "استون مارتن"، قطع شون كونري طريقاً طويلة في أقصر وقت ممكن. وهذا ما لا يستطيع عمله غير الأذكياء، أي أولئك الذين يمتلكون حسّاً مرهفاً، فضلاً، في طبيعة الحال، عن حاسّة اسمها الذوق.
 
معروف جيّداً أن شون كونري الذي ولد في ادنبره في اسكتلندا جاء من عائلة متواضعة. كانت والدته تخدم في المنازل، في حين أن والده، وهو من أصول ايرلندية، كان يعمل في مصنع. لم يحل ذلك دون دخول شون كونري معترك الحياة وصولاً الى أن أصبح أحد أشهر الممثلين العالميين، بدليل حصوله على إحدى جوائز "أوسكار".
 
بدأ من لا شيء وانتهى صاحب شهرة عالمية. فإذا كان مطلوباً تحديد أسماء عشرة أهمّ ممثلين في النصف الثاني من القرن العشرين، لا يمكن تجاهل أن شون كونري كان أحد هؤلاء.
 
مارس كونري الذي لم يدخل الجامعة مهناً عدّة، أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها في غاية التواضع. لم يمنعه ذلك من الوصول الى ما وصل اليه بعدما أصرّ على أن يكون ممثلاً. سمح له جسمه الرياضي وشكله الجذّاب بلعب أدوار مسرحية وسينمائية جدّ ثانوية في البداية، قبل يلمع شيئاً فشيئاً وصولاً الى اختياره للعب دور جيمس بوند في فيلم "دكتور نو" عام 1962.
 
أسند اليه الدور برغم اعتراض ايان فليمينغ الذي كان يفضّل شخصية من نوع آخر تلعب دور عميل الاستخبارات البريطانية (MI6) الذي يحمل رخصة تسمح له بالقتل.
بعد نجاح "دكتور نو"، اعترف فليمينغ بأنّه كان على خطأ واعتذر من منتجي الفيلم. لم يعد الأمر متعلّقاً بمجرّد عميل للاستخبارات يؤدي مهمات محددة بنجاح منقطع النظير، صارت أفلام جيمس بوند، التي يبقى الأكثرها نجاحاً، من وجهة نظري، "من روسيا مع الحبّ" (1963)، جزءاً لا يتجزّأ من الدعاية الغربية في أثناء الحرب الباردة.
 
لدى العودة الى الماضي، يظهر جليّاً أنّ أفلام جيمس بوند كانت تمهيداً باكراً للانتصار في الحرب التي خاضها الغرب مع "إمبراطورية الشر"، أي الاتحاد السوفياتي، بحسب وصف الرئيس الأميركي رونالد ريغان في خطاب ألقاه عام 1983. لم يكن ريغان نفسه سوى ممثّل سينمائي استطاع إسقاط الاتحاد السوفياتي بعدما أجبره على خوض "حرب النجوم". الى الآن، ليس ما يثبت هل برنامج "حرب النجوم" كان حقيقة... أم مجرّد فيلم على طريقة أفلام جيمس بوند. كشف برنامج "حرب النجوم"، الذي يعني بين ما يعنيه نشر منظومة صاروخية في الفضاء، ضعف الاتحاد السوفياتي، تكنولوجياً واقتصادياً، وعجزه عن خوض سباق تسلّح مع الولايات المتحدة.
 
انتصرت أميركا في الحرب الباردة مستخدمة أسلحة مختلفة، كان من بينها أفلام جيمس بوند التي سبقت بعشرين سنة كلام ريغان عن "إمبراطورية الشر" والإعلان عن برنامج "حرب النجوم". ما كان لهذه الأفلام أن تنجح لولا شون كونري الذي تصدّى لكل نوع من "الأشرار"، بدءاً بـ"الدكتور نو" الساعي الى السيطرة على العالم والعميلة السوفياتية التي حاولت اغتياله خلال رحلة في أحد القطارات.
 
في سياق مشاركته في الحرب الباردة، حجز جيمس بوند دوراً للاستخبارات البريطانية. من خلاله أعطى هذه المؤسسة دوراً في تلك الحرب في وقت كانت "بريطانيا العظمى" تدخل مرحلة التحوّل الى قوّة أقلّ من عادية على الصعيد العالمي، بعدما كانت إمبراطورية "لا تغيب عنها الشمس". بدأ الانحدار البريطاني بعد فشل حملة السويس عام 1956 التي سبقها التخلي عن "درّة التاج" التي اسمها الهند. لعب جيمس بوند، أي شون كونري (العميل الرقم 007)، دوراً في إبقاء الأسطورة البريطانية حيّة. ساهم في تحويل الوهم الى حقيقة في انتظار وصول مارغريت تاتشر الى موقع رئيس الوزراء عام 1979. أوجدت تاتشر لبريطانيا، بتصالحها مع الحقائق الدولية، دوراً في النظام العالمي القائم. كان ذلك لفترة محدودة، في عالم يلعب فيه الأشخاص دوراً في صناعة الصورة التي يرى العالم من خلالها موقع دولة معيّنة وحجمها ودورها... وهي صورة قد تكون حقيقية وقد لا تكون، تماماً مثل صورة جيمس بوند التي صنعها ممثل اسمه شون كونري. 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم