إعلان

الإسلاميون والعنف: سرديّة التّبرير الهشّة

المصدر: النهار العربي
أحمد نظيف
ورود أمام مطعم هاجمه متشددون في باريس
ورود أمام مطعم هاجمه متشددون في باريس
A+ A-

تواجه عملية تفسير أو تحليل الظاهرة الإرهابية العديد من العوائق المنهجية، فمعظم التحليلات التي يتم تقديمها شرقاً وغرباً تتّسم بالتّجزئة في المعالجة والتعميم والتركيز على السبب الواحد، ويشوبها العديد من الأوهام التي من شأنها أن تصيب معظم النتائج بالعلل والنقائص، فلا نظفر في النهاية بتحليل يساعد على فهم الظاهرة أو بتفسير عميق ينتج حلولاً أو خططاً لمواجهتها، أو على الأقل الحد منها، بتقليص أعداد المتأثرين بها والمنخرطين في تنظيماتها التي تحوّلت فرق موت متنقلة في العالم. 
 
هنا يجب التفريق بين دوافع تأثر الشباب بالأفكار الجهادية وأسبابه، وتالياً الانخراط في التنظيمات المسلحة المنبثقة منها والأسباب التي أدت إلى وصول هؤلاء الشباب إلى هذه التنظيمات. وانطلاقاً من الحالة التونسية، نلاحظ وجود خلط كبير في التفسيرات الرائجة بين الإجابة عن سؤاليْ، "كيف يُصبح الإرهابي إرهابياً؟" و"لماذا تنجح أعداد كبيرة من الشباب في الالتحاق بالجماعات الإرهابية"؟
 
في محاولتهم الإجابة عن السؤال الأول: "كيف يُصبح الإرهابي إرهابياً؟"، يركز أغلب الخبراء والمهتمين بشؤون الجماعات الإسلامية على العامل الاقتصادي الاجتماعي عبر الحديث عن البيئة الاقتصادية الفقيرة التي يعيش فيها بعض الشباب، وعن أحزمة الفقر التي تحوّلت محاضن للفكر الجهادي. ويُعلل هذا التفسير بنماذج من الشرق والغرب، وبخاصة من مصر والمغرب العربي ومن الجاليات العربية في الغرب. ويتم تأكيد ذلك بمثال بسيط وسطحي يقول: "إذا خيّرت فقيراً بين أن يعيش متسولاً وبين دخوله الجنة شهيداً فسيختار الجنة"، والأمر هنا فيه بعض الوجاهة للوهلة الأولى. 
 
لكن في المقابل، يتم التقليل من شأن بقية العوامل النفسية والثقافية والتاريخية لنجد أنفسنا أمام تفسير هش في مواجهة التجربة التاريخية التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن أغلب المنتمين الى التيارات الجهادية حالياً وسابقاً لا تحركهم دوافع اقتصادية بقدر ما دفعتهم أسباب أخرى لتبني هذا الخيار. فصحيح أن هدفهم "الجنة"، ولكنهم لم يمضوا في هذا الطريق هرباً من الفقر أو التسول، انطلاقاً من سيد قطب، البرجوازي الصغير، الذي أسس لهذا الفكر في التاريخ المعاصر، مروراً بالملياردير أسامة بن لادن مؤسس تنظيم "القاعدة" ونائبه أيمن الظواهري المتحدر من عائلة أرستقراطية مصرية ثرية، وصولاً إلى الجيل الجديد المنتمي الى تنظيم "داعش" في كبريات العواصم العالمية والعربية، والذي يتحدر في أغلبه من الطبقات الثرية والوسطى. فإذا كانت حالة الندرة التي يعيشها البعض قد دفعتهم الى سلْك هذا الطريق، فإن أوضاع الرخاء والوفرة كانت دافعاً للبعض الآخر لخوض هذه التجربة. وهذا لا ينفي قدرة العوامل الاقتصادية والاجتماعية على التأثير في الأفراد وصناعة التاريخ، ولكنها تبقى أسباباً مساعدة على تزايد انخراط الشباب في الجماعات المتطرفة أو تبني أفكار إرهابية ولكنها ليست عاملاً مركزياً. 
 
تفسير آخر كثير الرّواج وتعتمده جماعات الإسلام السياسي في تقديم تبريرها السطحي للظاهرة الإرهابية، وهو القائل بأن "غياب الحركات الإسلامية المعتدلة، الإخوانية تحديداً، ترك المجال واسعاً أمام بروز التيارات الجهادية المتطرفة"، وهذا تفسير كانت تروجه الحركة الإسلامية في تونس على نطاق واسع لتقدم نفسها طرفاً قادراً على هزم الإرهاب، للرأي العام الداخلي والقوى الخارجية. ومنذ سنوات انتبهت الدوائر البحثية الأميركية إلى هذا التفصيل، وبخاصة مؤسسة "راند" التي شجعت الإدارة الأميركية على تمكين الجماعات الإسلامية المعتدلة – الإخوان – من السلطة لمواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة في إطار ما عُرف بسياسة "اضربوا هؤلاء بهؤلاء". فإلى وقت قريب كانت فكرة "أن الإسلام المتطرف هو المشكلة، وأن الإسلام  المعتدل هو الحل" تلقى رواجاً واسعاً لدى الإدارة الأميركية ومراكز الأبحاث الغربية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في مواجهة هذا التفسير: لماذا تضاعف عدد المنتمين الى التيارات الجهادية بعد فتح  مجال العمل للجماعات الإسلامية المعتدلة؟ بل إن الأرقام قفزت إلى الآلاف في الدول التي وصلت فيها هذه الجماعات إلى السلطة في تونس ومصر والمغرب. والسؤال الثاني والأهم: لماذا ازدهر نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة أيضاً في الدول التي تنشط فيها جماعات معتدلة؟ لماذا لم يمنع وجود هذه الحركات المعتدلة في مصر ودول الخليج وبريطانيا وفرنسا تمدّد التيار الجهادي ولم يمنع وقوع كوارث إنسانية أودت بحياة المئات من المدنيين؟ علماً أن العديد من الجهاديين كانوا في السابق أعضاء في حركات إسلامية معتدلة. 
 
ويُعزّز إسلاميو تونس هذا التفسير بالتأكيد أن "غياب التعليم الديني التقليدي وإلغاء التعليم الزيتوني في أعقاب الاستقلال أدّيا إلى المزيد من توطيد عُرى الجماعات المتطرفة داخل المجتمع، واحتكار المعرفة الدينية وتحويل وجهتها نحو غاياتها السياسية". ولكن هل ساهم وجود التعليم الديني التقليدي في الجامع الأزهر المصري أو القرويين في المغرب أو الحلقات الدينية المنتشرة بكثافة في دول الخليج في منع تمدد الظاهرة الجهادية أو تقليصها؟ للأسف التجربة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً، فمعظم الدول التي تعتمد نظاماً تعليمياً مزدوجاً، نظامياً وشرعياً، هي الدول الأكثر تصديراً للجهاديين، ومجتمعاتها هي الأكثر احتضاناً للتيارات الجهادية. 
 
ساهمت "الصحوة الإسلامية" في تزييف الوعي بشكل غير مسبوق، وحاولت بناء سردية متكاملة كرافد لبرنامجها السياسي، ضمّت مجموعات تبريرات شديدة الهشاشة، لكنها مصقولة جيداً، حتى يمكن للبسطاء ابتلاعها بسهولة، بخاصة تبريرات لظاهرة العنف الديني.
 
تشكل العوامل السابق ذكرها، وبخاصة الظروف الاقتصادية والغبن الاجتماعي والمناطقي ومسؤولية الدولة، دوافع مساعدة على انتشار الفكر الجهادي وتمدد الجماعات الجهادية، ولكنها لا يمكن أن تكون سبباً مباشراً في ذلك أو تفسيراً عاماً للظاهرة، فهي تبقى مجرد ظروف موضوعية خارجية، تساهم بنسبة قليلة في توجيه الفرد الخاضع لعوامل داخلية ذاتية تتعلق بالقناعات ونمط التفكير والجانب النفسي.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم