إعلان

الانتخابات العراقيّة... فرصة سانحة للتّعافي

المصدر: النهار العربي
أسعد عبود
من احتجاجات العراقيين ضد الفساد والطبقة السياسية
من احتجاجات العراقيين ضد الفساد والطبقة السياسية
A+ A-
العراق أمام فرصة حقيقية للتغيير السياسي في الانتخابات التشريعية التي ستجرى في العاشر من الشهر الجاري. هذه الانتخابات المبكرة أتت بعد حراك شعبي تقدمته الأجيال الشابة، رداً على استشراء الفساد والمحاصصة والنقص في الخدمات الأساسية، من كهرباء وماء واستشفاء وتعليم، وأشياء أساسية افتقد المواطن العراقي العادي أبسط مقوّماتها.  
 
الأحزاب السياسية التي تمسك بالزمام في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003، هي في معظمها ذات خلفيات دينية، ولم تتورع عن ممارسة أبشع صور الانتهازية كي تبقى في السلطة، من دون الالتفات إلى المصلحة الوطنية أو العمل من أجل تحسين الحياة المعيشية للمواطن العادي، وتحدث فارقاً على مستوى حياته اليومية، علماً أن العراق بلد نفطي، الأمر الذي يدرّ على خزينة الدولة عشرات مليارات الدولارات سنوياً. لكن الهدر والفساد والمحاصصة بين أهل الطبقة السياسية، كانت كفيلة بتبديد مقدرات الوطن.   
 
عندما انتفض الشباب العراقي في الأول من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، كان ذلك تعبيراً عن وجع الناس، ووصول الأمور إلى نقطة الغليان. وسعت السلطة إلى احتواء الانتفاضة السلمية بشتى أنواع الوعود بالتغيير، وبإجراء الإصلاحات على النظام السياسي، وصولاً إلى استقالة حكومة حيدر العبادي، وتكليف مصطفى الكاظمي تأليف الحكومة التي قررت الانتخابات المبكرة، وسيلة للخروج من المأزق السياسي. لكن تخلل هذه الفترة الانتقالية قيام الأحزاب التي كانت مستفيدة من الوضع القائم، بالتنكيل بالناشطين السياسيين وقادة الحراك، تارة بالترهيب، وطوراً بالاغتيال أو القمع الدامي للمحتجين خلال التظاهرات، تحت سمع وبصر قوى الأمن التي كانت أعجز من أن تتدخل لحماية المتظاهرين.   
 
ومعضلة العراق لا تكمن فقط في الفساد والمحاصصة والزبائنية، بل إن في صميم المشكلة، تحوله ساحة بين النفوذين الأميركي والإيراني. وعليه، بات صندوق بريد لتبادل الرسائل الساخنة بين واشنطن وطهران. والحشد الشعبي الذي تأسس لقتال تنظيم "داعش" تحول أداة في يد إيران لمواجهة القوات الأميركية التي عادت إلى العراق لمحاربة التنظيم عام 2014.   
 
ووجد الكاظمي نفسه في مأزق كبير يهدد بضياع العراق نهائياً. ولم يجد في النهاية مناصاً من العمل على الإمساك بالعصا من المنتصف، واعتماد سياسة إقليمية متوازنة، تعيد بعضاً من التوازن السياسي والأمني للعراق. فكانت سياسة الانفتاح على دول الخليج العربية، من دون استفزاز إيران والقوى الموالية لها في الداخل العراقي. نجح الكاظمي في ذلك، وذهب خطوة أبعد عندما انبرى ليلعب دور الوسيط بين المملكة العربية السعودية وإيران، فكانت أن استضافت بغداد جلسات الحوار بين الرياض وطهران، إدراكاً منه أن التطبيع إذا حصل بين الجانبين، سيفضي إلى نزع الكثير من فتيل التوترات في المنطقة، ويساهم في ترسيخ الاستقرار.
وسيكون العراق أول المستفيدين من عودة العلاقات الطبيعية بين دول الخليج العربية وإيران. وحتى على مستوى العلاقة الأوسع، حاول الكاظمي أن يهدّئ من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. ووجد في قرار الرئيس الأميركي جو بايدن تحويل القوات الأميركية التي لا تزال موجودة في العراق، وعددها 2500 جندي، من المهام القتالية، إلى مهام التدريب، حلاً وسطاً يلبي إلى حد كبير قرار البرلمان الخروج النهائي للقوات الأجنبية من العراق.   
 
لكن، لا يمكن العراق أن يصل إلى ضفة الأمان، من دون التوصل إلى تسوية أميركية - إيرانية تعيد إحياء العمل بالاتفاق النووي لعام 2015. ومن شأن العودة إلى العمل بالاتفاق، تنفيس الكثير من أجواء الاحتقان في الخليج، وتالياً عموم الشرق الأوسط.
 
هل تشكل الانتخابات التشريعية بعد أيام، رافعة أخرى لانتشال العراق من وهدة التردي السياسي الداخلي، ووضعه على المسار الصحيح نحو بناء دولة المؤسسات، والخروج من آفة الفساد، بما يساعد على تصحيح التوازنات الكبرى في المنطقة، وينكبّ العراق لدوره الإقليمي الذي لا غنى عنه؟
ذاك هو التحدي الكبير.

 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم