الأولوية الشرق أوسطية لترامب في مناظرة مقبلة مع بايدن

المصدر: النهار العربي
راغدة درغام
راغدة درغام
ترامب وبايدن
ترامب وبايدن
A+ A-
يركّز الرئيس المرشّح لولاية ثانية دونالد ترامب، على منطقة الشرق الأوسط كمنصّة إطلاق لإنجازاته في السياسة الخارجية وكواجهة له في المناظرات المقبلة مع منافسه الديموقراطي جو بايدن تبرزه كشخصية قيادية عالمية تمكّنت من تحقيق ما عصي لعقود على الرؤساء قبله. المناظرة الأولى كانت عشوائية وهجومية بامتياز. ترامب سعى وراء اقتناص بايدن الى إظهاره ضعيفاً، بل الى إنهاكه عمداً ليسقط أمام أنظار الأميركيين. البعض اعتبر ذلك التّكتيك إهانة للأعراف الحضارية والديموقراطية، فيما البعض الآخر اعتبره تكتيكاً له فوائده من منظور جزء من الناخب الأميركي الذي يريد ترامب أن يضمنه. في المناظرتين المقبلتين سيتعمّد دونالد ترامب الاحتفاء بإنجازاته في الشرق الأوسط وعنوانها في الساحة الانتخابية الأميركية هو: إسرائيل. إسرائيل التي يخطب ودّها أي وكل مرشّح للرئاسة الأميركية تعتبر موعد الانتخابات الأميركية موعد حصاد لها يتسابق المرشّحون على إرضائها، فتأخذ وتطالب. هذا الموسم مختلف نوعياً لأن دونالد ترامب أحدث تغييراً جذرياً على كافة المعادلات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط. فريقه في السياسة الخارجية انطلق في مختلف الاتّجاهات والى مختلف عواصم الشرق الأوسط بتعليمات فحواها الإنجاز على قاعدة بسيطة هي: أن الشراكة مع أميركا لها ثمن، وأن العداء لأميركا يترتّب عليه ثمن.
 
مفاجأة إنجاز بدء أولى المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل حول ترسيم الحدود البحريّة والبرّيّة برعاية أميركية وبعملية تفاوض تقوم بها الأمم المتحدة قد يلقى اهتمام الإعلام الأميركي للحظات لكنه عملياً وفعلياً إنجاز مهم جداً لفريق دونالد ترامب. فهو سيحمله الى الناخب الأميركي من بوّابة تحقيق الاستقرار والازدهار والأمن للحليف الإسرائيلي وكذلك للبنان من خلال اقتلاعه من مخالب "الحرس الثوري" الإيراني ومن تصاميم الصين على استخدامه كموقع قدمٍ لها على البحر المتوسّط.
 
أداة العقوبات التي تبنّتها إدارة ترامب لعبت دوراً أساسياً في تغيير المعادلة اللبنانية حيث كان ما يسمى بـ "الثنائي الشيعي" يرفض ترسيم الحدود البحرية والبرّيّة مع إسرائيل لأنه فعليّاً لا يريد ترسيم الحدود البرّيّة مع سوريا كي يستمر التلازم بين لبنان وسوريا في المصيرين – سلاماً كان ذلك أو انهياراً. "حزب الله" والجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثّلة بـ"الحرس الثوري" يريدان الحدود اللبنانية السورية مفتوحة لغايات عديدة منها تهريب الأسلحة والعتاد والمقاتلين والمخدّرات والدولارات وغيرها. ومنها إخضاع لبنان ومصالحه وشعبه لما تبتغيه طهران ودمشق التي تتحكّم بها إيران.
 
العقوبات هي التي هزّت الأرض تحت أقدام القيادات اللبنانية الشريكة لـ"حزب الله" التي أمّنت له الغطاء للمضي بفرض هيمنة إيران عليه والمضي بتحويل شعبه سلعةً في البازار الإيراني. رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الشريك في "الثنائي الشيعي" أتى بمفاجأة إعلان ما سمّاه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بالاتّفاق "التاريخي" بعدما فاجأته إدارة ترامب بفرض عقوبات على أقرب المقرّبين منه، وزير الماليّة الذي فرضه على كل وزارة علي حسن خليل. تغيّرت لهجة صهر رئيس الجمهورية رئيس كتلة "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الذي اعتمد التحالف مع "حزب الله" ركناً له ودرجاً لطموحاته الرئاسية بعدما وجد نفسه مطوّقاً تماماً ليس فقط عندما امتدّت العقوبات الى وزير مسيحي كان وزيراً للأشغال في حكومة العهد الأول عام 2016 والتي شكّلها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري وتُعرف بحكومة "التسوية"، الوزير السابق يوسف فنيانوس. جبران باسيل غيّر لهجته عندما وصله الخبر اليقين أن "الموسى بات قريباً من رقبته"، وأن العقوبات الأميركية آتية على أقرب المقرّبين له واليه أيضاً.
 
رئيس الجمهورية ميشال عون بات متوتّراً وبدا الضعف عليه جسدياً في الآونة الأخيرة بعدما أدرك أن مزايداته و"بهوراته" لن تجدي لإنقاذ صهره المدلّل من موسى العقوبات. سعد الحريري استفاق الى امكانية واقعية وهي انه لا يتمتع بحصانة من العقوبات في حال خطر على باله إحياء "التسوية" ليكون رئيس حكومة مجدداً. جميع المنتمين الى حلفاء "حزب الله" أو الى المتعاونين معه "مجبراً أخاك لا بطل" وجدوا أنفسهم في عين عاصفة العقوبات - رجال أعمال ونواباً ووزراء وحزبيين - فاستفاقوا.
 
سوط العقوبات الأميركية ما زال فوق الرؤوس اللبنانية والسورية والإيرانية لا سيّما في فترة العد العكسي الى الانتخابات الرئاسية بعد 30 يوماً. معالم السياسة الخارجية الأميركية نحو الشرق الأوسط أوضحها تماماً كل من المبعوث الرئاسي لمحاربة "داعش" ومبعوث الانخراط engagement في سوريا، السفير جيمس جفري، والمبعوث الأميركي في ملف سوريا جويل رايبورن أثناء الحلقة الافتراضية السادسة عشرة لقمّة بيروت انستيتيوت في أبو ظبي وشارك فيها المستشار السابق في الرئاسة السورية نبراس الفاضل. 
 
 
جويل رايبورن أكّد أنه "إن كان في سوريا، أو في لبنان، أو في أي مكان، لدينا تعليمات من قادة الإدارة ولدينا تعليمات من الكونغرس بأن نطبّق العقوبات، ونحن في طريقنا لاستكمال ذلك. نحن لا نقع تحت ضغوط أيٍّ كان لحملنا على عدم المضي" بالعقوبات. وأضاف: "على كل أولئك الذين يقومون بتمكين نظام الأسد وأولئك الذين يمكّنون حزب الله اللبناني ونشاطاته الإرهابية، مثلاً، أن يدركوا أن هناك قاعدة إجماع دولي بأن الوقت حان لإيقافهم عند حدهم".
 
جيمس جفري أكّد أن "لدينا السلطة الكاملة ولدينا كل العزم" على تطبيق قانون قيصر الذي يفرض العقوبات على كل من تورّط في تسهيل جرائم حرب في سوريا بغضّ النظر عن جنسيات الذين تورّطوا وعاونوا وسهّلوا. وقال:  "إنْ كنت من تكن في أي مكان في العالم تقوم بدعم نظام (الأسد) الإجرامي، اعرف تماماً إننا سنصطادك. انتظر وقِف متأهّباً، فنحن آتون لاصطيادك". ولأولئك الذين يقولون إن الأميركيين يتباطأون في فرض العقوبات الموعودة، قال جفري إن القائمة طويلة وأن على الناس "الصبر قليلاً" إنما الرسالة الأساسية للمرشّحين للعقوبات الأميركية هي: "سنُسقِطكم عاجلاً أم آجلاً".
 
للذين يعتقدون أن صفقة سرّية تُعقد وراء الكواليس بين إدارة ترامب والجمهورية الإسلامية الإيرانية استهزأ جيمس جفري بهذا الافتراض وقال "قبيل شهر من فترة 4 سنوات لإدارة ترامب، ان للصفقة فرصاً ضئيلة لو كانت واردة. إن ادارة ترامب واضحة منذ البداية ولقد ضاعفت الضغوط على إيران بأضعاف". وزاد: "أن هذه الإدارة تأخذ الخطر threat الإيراني على محمل الجد وانظروا الى النتائج"، والى الإنجازات الأميركية في سوريا "حيث لا يسيطر الأسد على الأراضي السورية وبالتالي عليه أن يتوصل الى صفقة عاجلاً أم آجلاً". وفي العراق كما في صدد قاسم سليماني "حيث قمنا بالتصدّي للذين يقومون بالهجوم ضدنا. ونحن مستمرون بذلك".
 
اللافت في تلك الدائرة الافتراضية المهمة جداً للذين يريدون فهم السياسة الأميركية نحو منطقة الشرق الأوسط والتي تتطلّب الإصغاء الكامل للساعة الكاملة، هو التفكير الأميركي نحو ما فعلته روسيا في سوريا ووضعها الحالي هناك، والتقويم الأميركي للطموحات الصينية في الشرق الأوسط.
 
جيمس جفري تحدّث عن "ندم" فريق الرئيس السابق باراك أوباما في ملف سوريا بسبب عدم قيامهم بالتصدّي لروسيا وإيران هناك - كما هو جليّ في مذكّراتهم العديدة. تحدّث عن تسويق روسيا لمفهوم الأمن في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج معتبراً أن تاريخ المفهوم وتاريخ روسيا يؤكدان عدم جدواه. وقال: "ما حدث في سوريا هو مثال على أسلوب ومفهوم روسيا للأمن ولا أحد في المنطقة يشتريه لأن سوريا في الواقع باتت اليوم مستنقعاً لها (روسيا)، ونحن سنسعى الى أن نتأكد من أنها ستبقى هكذا الى أن نتوصّل الى عملية سياسية تنقذ الشعب السوري وتوفّر الأمن لسوريا وجيرانها في المنطقة".
 
أما الصين فإنها حسب رأي جيمس جفري "قادرة على تهديد كامل المنطقة الأوروبية – الآسيوية Euro Asia وبالتالي العالم بصورة لا يستطيع أحد غيرها أن يفعل. ولذلك أننا نأخذها على محمل الجدية البالغة". إنما "في الشرق الأوسط، ليس للصين تواجد عسكري وقدراتها الاقتصادية التطفّلية intrusiveness محدودة حتى الآن، وهي، عكس روسيا، تحتاج الاستقرار كي تبقى أسعار النفط منخفضة، في حين أن روسيا لا تحتاج انخفاض الأسعار النفطية، بل إن ارتفاع الأسعار في الواقع هو لمصلحة روسيا" مما يشكل عُنصر لا استقرار في المنطقة. أما الاتفاقية الصينية – الإيرانية pact فإنها "مجرد انفعالية" knee jerk reaction ضد الولايات المتحدة "ونحن لا نرى أن هناك قدرة أو رغبة صينية بالتوّرط في سوريا أو لبنان أو العراق بما يتعدى حقول النفط وحاجة الصين الى النفط" من المنطقة.
 
جويل رايبرون اعتبر أن "لا سبيل واقعياً لدول المشرق العربي levant للشراكة مع الصين" وأشار الى أن "آخر ما يحتاجه لبنان، مثلاً، هو أن يقع في فخ الديون الصينية. وسأكون صريحاً حول النموذج الصيني في العالم وهو التوجّه الى حيث هناك فرصة للإثراء ليقتنصها الصينيون مقابل الرشوات kickbacks للطبقة السياسية المحلية. وبالتالي، إن الاستفادة الوحيدة هي للمرتشين في الطبقة السياسية اللبنانية".
 
رسالة رايبرون الأساسية كانت لبشار الأسد ونظامه إذ قال: "لقد تاجَرت traded بسيادة سوريا مقابل اتفاقيات تكتيكية تسمح لك بالتمسّك بالكرسي الرئاسية وبالقصر الرئاسي فقط. لكنك خسرت البلاد بل وتاجرت بالبلد". وأضاف أن الرئيس الأسبق الأب حافظ الأسد "ما كان ليسمح لحزب الله أن يخطو خطوةً خارج لبنان من دون إذن من حافظ الأسد. أما اليوم فإن (حسن) نصر الله يُملي على بشار الأسد، و"حزب الله" يتجوّل داخل سوريا حيثما يريد، ولا ينطق بشار الأسد بشيء على الإطلاق".
 
نبراس الفاضل قال إن المعادلة بسيطة وهي "لا يمكن التوصّل الى وقف نار في سوريا من دون تركيا، ولا مجال لانتقال سياسي من دون روسيا، وليس في الإمكان إعادة البناء من دون الولايات المتحدة"، ودعا الى "توافق الأطراف الثلاثة على خريطة طريق وخطة". أما إيران "فإن المشكلة معها لا تنحصر في سوريا إنما هي إقليمية" لكنها هامشية في سوريا "حيث المعادلة تقع بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا".
 
إيران تتقوقع فعلياً بسبب العقوبات الأميركية فيما الاستراتيجية التي اعتمدها "الحرس الثوري" لسوريا والعراق ولبنان هي التوسّع والقبض على هذه الدول لتكون تحت إدارة القوات غير النظامية الفاعلة داخلها والتي يملي عليها "الحرس الثوري" الأجندات الإيرانية لتدمير سيادة الدول.
 
كلام جيمس جفري وجويل رايبرون يستحق القراءة الدقيقة لأن بين طيّات الرسائل التي بعثا بها أكثر من إنذار وعزم واضح على تحقيق انجازات مفصليّة في الشرق الأوسط عبر أدوات العقوبات وغيرها في فترة الثلاثين يوماً المتبقية الى موعد الانتخابات الرئاسية.
 
الكلمات الدالة