إعلان

لبنان ... تحلّل الدولة والفوضى وانفجار البيئات الطائفية والمذهبية

المصدر: النهار العربي
ابراهيم حيدر
A+ A-
ليس الصراع على الحكومة وتشكيلها أخطر ما يواجه لبنان اليوم، بل التحلل الذي يصيب الدولة ومؤسساتها وأيضاً المجتمع الذي يغرق في الفوضى وتتناتشه الاصطفافات الطائفية والمذهبية. أمر الحكومة بات معروفاً في سياق الصراعات على النفوذ والهيمنة والتحكم بالقرار السياسي وصولاً إلى النزاع على وجه لبنان، وهو أمر ينسحب على كل الملفات الداخلية من السياسة إلى الأمن فالقضاء والمال، ثم السيطرة داخل البيئات وتطويعها حيث تُستنفر العصبيات وتُستحضر الغرائز الطائفية والمذهبية، لحسم موازين القوى تحضيراً للتركيب السياسي المقبل.
 
تحلّل الدولة وتفككها هما أمران ناجمان عن الصراعات الداخلية وعجز الطبقة السياسية المسيطرة بكل مكوناتها وتحالفها الحاكم اليوم وعلى رأسه رئيس الجمهورية ميشال عون المتحالف مع "حزب الله" عن السير في عملية الإنقاذ، وهي أي الطبقة غير قادرة أصلاً على الإصلاح، وعلى التوصل إلى تسوية أقله في تشكيل الحكومة نظراً للاستعصاءات القائمة ورهان بعض القوى على تغييرات في موازين القوى الخارجية وانتظاراً لما سترسو عليه أوضاع المنطقة في المفاوضات الإيرانية – الأميركية المتوقفة، خصوصاً بعد الخروج الأميركي من أفغانستان، فإذا بلبنان يدفع ثمناً باهظاً وتتوسع مشكلاته، ليتبين أن لا قرار خارجياً بالحل أو بالضغط لترتيب أوضاعه، وأيضاً عدم اكتراث من قوى دولية وعربية تعتبر أن مساعدة لبنان في هذه المرحلة لا تفيد في ظل الهيمنة الإيرانية القائمة، فيما الأميركيون المنشغلون بملفات لها أولوية في المنطقة يطلقون الوعود ولهم مصالحهم في أي خطوة يقدمون عليها.
 
وبينما يُتوقع أن ترسو باخرة النفط الإيرانية على الساحل السوري ونقل المحروقات إلى لبنان من طريق البر، بما يعنيه ذلك من استثمار إيراني في الداخل اللبناني وإن كان لا يشكل حلاً للأزمة في لبنان، وما يمكن أن تستجره من عقوبات، تعمل الولايات المتحدة الأميركية على استجرار الكهرباء من الأردن بتشغيل من الغاز المصري، كذلك إعفاء لبنان من بعض عقوبات قانون قيصر، وفي هذا تغيير في الموقف الأميركي الذي كان الموفدون من إدارته يرفعون لواء مواجهة "حزب الله" ومنع مشاركته في الحكومة، وهذا يدل على أن تغييراً ما قد حدث في التعاطي الأميركي مع لبنان وفي المنطقة ايضاً خصوصاً بعد أفغانستان وطريقة تعامل الإدارة الأميركية مع حركة "طالبان"، وذلك على الرغم من أن لا شيء نهائياً في هذا الشأن، أقله إلى حين جلاء الصورة اقليمياً في المرحلة المقبلة.
 
الخطر في لبنان اليوم، داخلي، وإن كان الوضع اللبناني يتراقص على حبال التطورات الخارجية. قد يكون الانهيار وصل الى حدود لم يعد الإنقاذ معه ممكناً، وقد ينعكس انفجارات داخلية نشهد بعض وجوهها في أكثر من مجال، وربما قد تحدث فوضى تطل برأسها لأسباب هامشية وربما تافهة، على ما نشهده من صراع في محطات الوقود واصطفاف البيئات في القرى والمناطق والشوارع واستخدام السلاح في أكثر من بلدة لبنانية لاحتكار البنزين وتأمينه لبيئته. هذا حدث في مغدوشة الجنوبية وفي قرى من الجنوب اللبناني تحت سيطرة "حزب الله" وكذلك في الشمال والبقاع حيث سقط قتلى جراء المواجهات والتدافع ومصادرة المحروقات. إضافة إلى النزاع على الدواء والغذاء، ومتطلبات العيش الأخرى المفقودة.
 
على وقع الفراغ والانهيار، تستثمر القوى الطائفية والمذهبية في بيئاتها أيضاً، وتسعى الى التمدد إلى البيئات الأخرى. فمع عدم تشكيل حكومة قادرة على السير في الإصلاحات ووقف الانزلاق نحو الهاوية، تختل التوازنات الطائفية أيضاً، فيتقدم التيار العوني برئاسة رئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل لرفع شعار الدفاع عن المسيحيين، ومنه يتسلل مطلب استعادة الصلاحيات والتعطيل، فيما يسعى الثنائي الشيعي الى تأبيد الهيمنة في مناطقه، خصوصاً "حزب الله" الذي يستثمر أيضاً بالنفط الإيراني وفائض قوته ويتولى أدواراً إقليمية في المنطقة ويخترق البيئات الأخرى. أما المكوّن السنّي فيبدو أنه الحلقة الضعيفة، خصوصاً في رئاسة الحكومة، وهو الذي يسعى للمحافظة على صلاحيات هذا الموقع وإعادة تنظيم بيئته من خلاله. وأمام هذا الاصطفاف يدخل لبنان في أخطار كبرى، من الفرز الجغرافي والمناطقي والطائفي والمذهبي وقد يصل الى مرحلة الانفجار في حال بقيت الأمور على حالها، وهو انفجار يزيد من تحلل الدولة ويؤدي الى تشكل صيغ جديدة وربما هجينة للحكم في لبنان.
 
لبنان أمام منعطف خطير. غياب تام لمؤسسات الدولة ومعالمها، بسبب الشلل، فيما المجتمع يتحلل وتخرج ظواهر الأمن الذاتي لدى الطوائف وفي المناطق، في اصطفافات قد تؤدي الى الانفجار والحرب الأهلية. فيما تستمر سياسة المحاصصة والمنازعات على الحكومة وعلى ما تبقى في البنية اللبنانية، إلى حد أن الانقاذ بات صعباً جداً والتغيير ربما بات مستحيلاً!
 
Twitter: @ihaidar62
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم