إعلان

"التطبيع"- "القضية"... والمنافقون في الأرض!

المصدر: النهار العربي
د.خالد باطرفي
د.خالد باطرفي
الطائرة الاسرائيلية التي حطت في أبو ظبي في أول رحلة بعد تطبيع العلاقات
الطائرة الاسرائيلية التي حطت في أبو ظبي في أول رحلة بعد تطبيع العلاقات
A+ A-

صديقي المشاكس أرسل لي مقطع فقرة من قناة الجزيرة عن مرور طائرة إسرائيلية في فضاء السعودية، ومعها تعليق يقول: وهكذا بدأت خطوات التطبيع مع إسرائيل.

 

أرسلت لهذا الصديق الذي أعرف مرجعيته، صوراً عن زيارة شمعون بيريز لقناة الجزيرة ولقائه بأمير قطر، وأخرى عن لقاءات مفتي الإخوان وقطر مع أحبار اليهود في الدوحة، وزيارات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان لإسرائيل ولقاءاته مع قادتها، ومن بينهم شامير (ما غيره!)، ومثلها لقاءات القيادات الفلسطينية، ورسالة الرئيس الإخواني محمد مرسي المعنونة، "رئيس دولة إسرائيل مخاطباً إياه بـ"صديقي العظيم"!".

 

وفي اليوم التالي أرسلت له بيان الخارجية السعودية عن تأكيد تمسك المملكة بحقوق الفلسطينيين والمبادرة العربية للسلام، وقرار الموافقة على طلب الإمارات بمرور أي رحلات دولية منها واليها الى كل دول العالم (بما يشمل إسرائيل).

 

ما أردت أن أوصله من خلال هذه الصور والمعلومات باختصار، أنه آن الأوان للشعوب العربية أن تستيقظ لأساليب المنافقين. أولئك الذين "يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم"، وكأنما هم وكلاء آدم على ذريته، لهم الحق من دون غيرهم في اتخاذ القرارات السيادية التي تحقق مصالحهم وحجبها عن غيرهم.

 

فقبل عقدين، هاجمت قناة الجزيرة وجود قوات أميركية في السعودية بشعار "أخرجوا المشركين من أرض الجزيرة"، واستخدمت أبواقاً لا تجتمع إلا في "كعبة المضيوم"، من قيادات القاعدة في أقصى اليمين الى القوميين واليساريين العرب في أقصى اليسار. ولما قررت الرياض عدم تجديد عقود التأجير، سارعت الدوحة بتقديم قواعد بحرية وجوية وبرية على حسابها.

 

وبين تسريبات خيمة القذافي كان الحوار الشهير مع الأمير حمد بن خليفه ورئيس مجلس وزرائه حمد بن جاسم اللذين فسّرا لقائد الثورة الليبية أسباب علاقة بلادهما مع إسرائيل بأنها تهدف للتوسط بها لدى أميركا لتخفف من غضب السعودية كلما استهدفتها الدوحة. اللافت أن "أمين القومية العربية" لم يعترض على هذا التبرير (فالحال من بعضه!). 

 

مشكلتنا في الخليج مع كثير من عرب المنطقة وعجمها، من القومي الى الجهادي وما بين، أن جميعهم يدّعي وصلاً بليلى، ويرفع قميص عثمان، ويرسم خريطة وصوله الى القدس عبر عواصمنا وحقول نفطنا. وخلال 72 عاماً لا هم بمن وصل، ولا سمح لغيره أن يصل، ولا كف عن المتاجرة والادعاء. وليتهم كفونا شرهم كما حرمونا خيرهم، بل زادوا فأفتوا بجواز التزود بوقود الخليج وخيراته، مؤونة للجهاد، على أن يتسلموا هم، باعتبارهم "الأيدي الأمينة" إدارة الخزانة.

 

وكأنما حسبت قطر أن خير وسيلة لاتقاء شرورهم أن تنضم اليهم، فسلّمت قيادتها لجماعة الإخوان واحتمت بالأعاجم من فرس ومغول وصهاينة، وأغدقت على عواصم القرار الدولي بالصفقات والمصالح والاستثمارات، لعلها تكبر وتتطاول بهم، وتتحول بذلك من موقع الاستهداف الى منصة التهديف.

 

لست مع التطبيع العربي والإسلامي مع إسرائيل من دون أن يقبل الكيان الصهيوني تنفيذ المبادرة العربية للسلام، أو أن يصل مع الفلسطينيين الى حل يرضيهم، ومعنا الى تسليم مسرى نبينا، المسجد الأقصى، إلى إدارة إسلامية.

 

ولو طلب الفلسطينيون رأيي الخاص، ولا أحسبهم يفعلون، لاقترحت عليهم الخروج من كل اتفاقيات السلام التي وقعوها مع إسرائيل، (وحرّموا مثلها على العرب)، والمطالبة بحقوق المواطنة في دولة ديموقراطية، علمانية، موحدة. فحال العربي الإسرائيلي أفضل بكثير من حال العربي الفلسطيني، وحقوق أقرانه المدنية في إسرائيل أفضل من حقوقه تحت الإدارات الفاسدة التي تحكم الضفة وغزة. وإذا أخذنا في الاعتبار تعدادهم، فسيحصلون على أكثر من ذلك تحت مظلة دولة واحدة. إسرائيل سترفض بالطبع، ولكنها بذلك ستكشف عن حقيقتها أمام الرأي العام العالمي، فكيف تدّعي الديموقراطية وترفضها؟

 

نعود الى الواقع من حلم مستحيل، لأن حل الدولتين بكل عيوبه فرصة للمتاجرين بالقضية الى يوم الدين، وأقول ليختر الفلسطيني ما يريد، فهذا شأنه وتلك أرضه وقضيته، ولنختر لأنفسنا ما نريد، فهذا شأننا أيضا وذلك حقنا. وإذا كانت هناك دول قررت أن مصالحها تتحقق بالتطبيع، وحرصت في الوقت نفسه على الحصول على تنازلات للفلسطينيين، فهذا حقها السيادي، وما حققته للقضية تُشكر عليه. وأن تختار السعودية بحكم مكانتها القومية التمسك بالمبادرة العربية التي أطلقتها وجمعت عليها الصف العربي، وبحكم مكانتها الإسلامية عدم التطبيع قبل تحرير أولى القبلتين من دنس الصهاينة، حتى على حساب مصالحها السياسية والاقتصادية مع الدول المناصرة لإسرائيل، فهذا حقها السيادي أيضا.

 

كما لا نمنع أصحاب الممانعة والمقاومة من مواصلة الرفض والتصدي بالطريقة التي يرونها مناسبة، فهذا أيضاً من حقهم. لا نقبل أن يفرضوا علينا سياساتهم ولا نرضى أن نفرض عليهم نهجنا. وبرغم يقيننا أنهم كاذبون ومدعون، يبيعون مع إسرائيل ويشترون، ثم يصعدون على المنابر محاربين، إلا أننا نعتبر هذا شأنهم وأمراً بينهم وبين شعوبهم وجماهيرهم، لا نحاسبهم عليه.

 

أعود لصديقي المشاكس لأقول: من حقه أن يصدق من يريد، ويتبع من يريد، فلن يكون أول المغرر بهم ولا آخرهم. ولكني أطالبه باحترام حقي في اتخاذ الموقف الذي يوافقني وتشكيل الرأي الذي اقتنع به. وأمنعه من تكفيري أو تخويني أو اتهامي في ديني وعروبتي. وإن لم يعجبه ذلك فأقول له ما قال القومجي، الديماغوجي، الأكبر: إذا لم يكفه البحر الأبيض فليشرب من الأحمر!

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم