إعلان

طائرات يوم الإثنين الأول من سبتمبر

المصدر: النهار العرابي
غسان زقطان
غسان زقطان
الرئيس الاميركي دونالد ترامب
الرئيس الاميركي دونالد ترامب
A+ A-
برغم الجهد الواضح في ترتيبها والاستثمار الكبير في إخراجها وتقديمها كحدث يوازي الاتفاقية نفسها، لم تحظ رحلة طائرة "إلعال" التي أقلعت من مطار "اللد*" نحو مطار "أبو ظبي"، في أول رحلة علنية مباشرة بين البلدين، بالاهتمام الذي خطط له نتنياهو وكوشنر.


لقد حصلت على اهتمام ولكنه، من دون شك، لم يصل الى الدرجة المأمولة، وفي منطقة من هذا الاهتمام تحولت الرحلة الى حجة استخدمها معارضو "اتفاقية السلام" بين الإمارات وإسرائيل، لتوضيح سوء النية والادعاء والاستفزاز الذي يكمن خلف "العراضة الجوية" الأميركية - الإسرائيلية يوم الاثنين الماضي في الأول من أيلول (سبتمبر). 


الحديث المسهب عن تحصين الطائرة ضد صواريخ الكتف وأنظمة التشويش ونظم الحماية و"درع السماء"، أشياء من هذا القبيل تمنح الرحلة نوعاً من الإثارة وتدخلها في سياق المغامرة الشجاعة.


صور السيلفي للوفد الأميركي الإسرائيلي "الموحد"، والأجواء الاحتفالية وظهور كوشنر في ثلاث لقطات مدروسة، كوشنر على مدرج المطار يتحدث للإعلام كعراب، كوشنر في الطائرة وهو يبتسم مثل خريج ثانوي وخلفه تظاهرة من الهواتف النقالة المرفوعة، وكوشنر يهبط برشاقة سلّم الطائرة في أبو ظبي يتبعه مئير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي في إسرائيل، وعلى أرضية المطار أعلام الدول الثلاث وممر طويل من السجاد الأحمر.


بموازاة ذلك سيبث نتنياهو من الأرض رسالة طويلة مصورة أمام شاشة تنقل حركة الطائرة، وجّهها لقائد الطائرة، رسالة يحيل فيها، من جديد، الفضل في كل هذا المرح لجهوده الشخصية، "..لقد عملت طويلاً من أجل هذا"، يقول رئيس الوزراء بالتناوب، أو نصف رئيس الوزراء الغارق في ملفات الفساد إذا أردنا الدقة، لقائد الطائرة، وسيكرر بوضوح هذه المرة أيضاً، مستغلاً إصغاء الطيار الذي يبدو هامشياً تماماً وذريعة خارج نطاق الرؤية لخطاب نتنياهو، "..هذا سلام مقابل سلام"، في تأكيد جديد ومكرر لجمهوره الانتخابي وآلاف المتظاهرين أمام بيته في شارع بلفور في القدس الذين يطالبون بإرساله الى السجن، ولجنرالات الجيش والمستوطنين، أن "الاتفاق" لا يشمل الحصول على "اف 35"، أو على وقف الاستيطان، سلام مقابل سلام، وليس كما ردد الأردنيون عبر عقود طويلة "الأرض مقابل السلام"، أو كما حدد السعوديون في مبادرتهم "الدولة الفلسطينية أولاً والسلام ثانياً". يمكن قراءة خطاب نتنياهو في ترجمة أمينة للمسكوت عنه بهذا الشكل أيضاً "حصلنا على الأرض والسلام ولم نقدم شيئاً".


حرص الاستعراض على زج رموز كثيرة في الرحلة، بدأ من اسم الطائرة "كريات غات" وهي مستوطنة كبيرة أقيمت على أنقاض قريتي "عراق المنشية" و"الفالوجة" في جنوب فلسطين، وقد ارتبطت القريتان بحصار الفالوجة الشهير خلال حرب 1948، حين حوصر لواء من الجيش المصري/السوداني ومقاتلون فلسطينيون في القريتين، وكان من أبرز ضباطه في ذلك الحين الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، صمد المحاصرون حتى توقيع مصر على اتفاقية الهدنة في رودس، حيث قامت إسرائيل بعد ذلك بتجريف القريتين وكانتا آخر قريتين يجري تهجيرهما في النكبة.


"جاء في التوراة أن "غات" هي احدى المدن الكنعانية الخمس الكبرى، غزة واسدود وعاقر وعسقلان وغات، وعلى بوابتها هزم داوود جوليات بالمقلاع". كما كتب د. ابراهيم أبو هشهش الشاعر والناقد والمدرس في جامعة بيرزيت، وابن عراق المنشية، القرية المهجرة التي أقيمت على بيوتها مستوطنة "كريات غات"، مستعرضاً استبسال الجيش المصري وأبناء القرية خلال أشهر الحصار الطويلة.


لا يبدو هذا التحميل مبالغاً فيه في تفسير الرموز، الإنشاء القومي لنتنياهو يمتلئ بهذه الرموز التي يخاطب بها جمهوره اليميني، الحركة الاستيطانية في فلسطين تتبعت دائماً هذا الخطاب ونبشت حجارة التوراة لمنح حملات مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهجير أصحابها وقتلهم أسباباً إلهية، فكرة "إسرائيل" نفسها قامت على توريط "الرب" في المأساة الفلسطينية، من هنا أيضا أطلق على الاتفاق بين إسرائيل والإمارات اسم "ابراهام" جد الساميين، وهو اختيار يعكس ثقافة الفريق، الإسرائيلي/الأميركي الذي قام على صياغته وتسويقه. 


هذه الحماسة الإسرائيلية المبتذلة لم تقابلها حماسة واضحة من الجانب الإماراتي، الذي اكتفى بمراسيم الاستقبال الرسمية من دون الدخول في "عجقة" الرحلة نفسها. ما دفع نتنياهو الى استعادة مشهد السجادة الحمراء في مطار أبو ظبي، ورغبته في وضع سجادة شبيهة عند وصول الوفد الإماراتي الى مطار اللد.
في مصر أيضاً لم يكن ثمة احتفاء "بالرحلة" أو "الاتفاق" برمّته، لو استثنينا تغريدة السيسي التي استخدمت لغة عامة لا تشي بالبهجة، وبدت مثل أداء واجب عائلي ثقيل.


لدى إدارة ترامب ولع خاص بالرحلات الجوية المباشرة في إقليم الشرق الأوسط التي تنطلق من مطار اللد، وتسجيلها في لائحة إنجازات الرئيس ضمن "صفقة القرن"، قبل أيام وصل وزير الخارجية الأميركي في رحلة مباشرة من مطار اللد الى مطار الخرطوم، بدت مثل تمرين على "رحلة كريات غات"، قدمها المسؤول الأميركي كثمرة لاجتماع البرهان ونتنياهو في أوغندا، كان استعراضاً فجاً وضاغطاً على حكومة حمدوك الانتقالية الغارقة في تفكيك هموم السودان المتراكمة، والتحرك في فوضى الصلاحيات مع العسكر بقيادة البرهان ونائبه حميدتي.


رحلة بومبيو جاءت بعد أزمة المتحدث باسم الخارجية السودانية، حيث تسببت تصريحاته حول التطبيع بين السودان وإسرائيل بإقالته، وهو ما كسر الزخم الإعلامي المرافق لخطوات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل، ومن بينها رحلة "كريات غات" الى أبو ظبي.


حمدوك، الذي تغاضى عن الرحلة المباشرة وإشارات بومبيو وثماره، كان واضحاً ودبلوماسياً في الوقت نفسه، ليس من صلاحيات الحكومة الانتقالية التي يقودها البتّ في موضوع التطبيع، مهمتنا هي إخراج السودان من أزماته، وهو ما بهّت الإنجاز الأميركي الإسرائيلي في السودان، ولو الى حين.
الآن سيجري البحث بأي ثمن عن "بديل" لمواصلة الحملة وتقديمها كعصر جديد في المنطقة. 


مساء الاثنين، الأول من أيلول (سبتمبر)، أقلعت طائرة الرئيس الفرنسي من باريس الى بيروت، في رحلة مجدولة سابقاً بحيث تتم في ذكرى إعلان الجنرال غورو عن "لبنان الكبير" قبل قرن من الآن. وعلى نحو غير مقصود، ساهمت رحلة ماكرون في إفساد الأمر حين تحوّلت الى الخبر الرئيسي في وسائل الإعلام، وسحبت الكثير من الاهتمام والأضواء عن رحلة "كريات غات" الى أبو ظبي، بحيث بدت زيارة الرئيس الفرنسي للسيدة فيروز في بيتها وتقليدها وسام جوقة الشرف، وظهورها الحيوي المفرح في اللقاء، أكثر أهمية من "سيلفي كوشنر" ومكالمة "نتنياهو" المصورة مع طيار "كريات غات".
----------------------------------------
* لدي تفسير حول استخدام "مطار اللد" بدل "مطار بنغوريون" في هذه المقالة على وجه الخصوص. المطار افتتح في اللد عام 1936، قبل تأسيس إسرائيل، وقد استخدمته الخطوط الجوية الفلسطينية، التي تأسست في الفترة نفسها، في رحلات داخلية بين مطاري اللد وحيفا، وفي أيلول (سبتمبر)، مثل هذه الأيام من عام 1937 انطلقت منه أول رحلة دولية مباشرة الى بيروت.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم