إعلان

اتحاد المغرب العربي.. أي ثمن للغياب؟

المصدر: النهار العربي
عادل بن حمزة
عادل بن حمزة
اتحاد المغرب العربي
اتحاد المغرب العربي
A+ A-
قبل 31 سنة أعلن قادة كل من المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا بمراكش، قيام اتحاد المغرب العربي و اعتبروا ذلك الاتحاد "مجموعة متكاملة متظافرة الإرادات متعاونة مع مثيلاتها الجهوية، وكتلة متراصة للمساهمة في إثراء الحوار الدولي، مصممة على مناصرة المبادئ الخيرة، ومعبئة شعوبها بما لها من إمكانات لتعزيز استقلال أقطار اتحاد المغرب العربي وصيانة مكتسباتها، وللعمل مع المجموعة الدولية لإقامة نظام عالمي تسود فيه العدالة والكرامة والحرية وحقوق الإنسان ويطبع التعاون الصادق والاحترام المتبادل علاقاته"، بين تلك اللحظة وما تعيشها البلدان المغاربية اليوم، جرت مياه كثيرة تحت جسر لم تثبت التجربة أنه ربط بين أنظمة وشعوب المنطقة، لا يتعلق الأمر بتشكيك في النوايا وتبخيس للإرادات التي اجتمعت في تلك الفترة، لكنه الإقرار الموضوعي بالواقع، هذا الواقع يكشف بغير كثير من الجهد أن المنطقة المغاربية تبدو كأنها خارج التاريخ، ففي الوقت الذي تتطور الاتحادات الإقليمية والقارية بجوارها وقريبا منها، لازالت هذه المنطقة لغارقة في مخلفات الحرب الباردة، والتقاطبات التي سقطت إلى غير رجعة.

 

المفارقة هي أن المنطقة في العقد الأخير على الأقل، كانت محط أنظار العالم عقب التحولات التي عرفتها كل من تونس وليبيا في إطار ما يسمى بالربيع العربي، ورغم أن التجربتين تختلفان معا في طريقة إحداث التغيير ومساره، فإنهما معا يواجهان صعوبات كبيرة، تظهر بلا حل في الحالة الليبية مع تعدد وتناقض الأطراف الدولية المتدخلة، أما في الحالة التونسية فالتجربة لازالت تخرج من منعطف إلى آخر في ظل وضعية اقتصادية ومالية صعبة جدا، قد لا يسعف تغيير الحكومات في حلها في ظل تعقيدات المشهد السياسي وعجز آليات الانتخابات على منح البلاد الاستقرار الذي تحتاجه مؤسسات الدولة لمواجهة صعوبات ومنعرجات الطريق. 

الاتحاد المغاربي كان حلما راود قادة الحركة الوطنية المغاربية وهم طلبة في باريس من خلال جمعية طلبة شمال إفريقيا بفرنسا وتطورت الفكرة الوحدوية في بعدها التحرري  منذ نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي وذلك عبر مكتب المغرب العربي بالقاهرة الذي جمع قيادات وازنة وضعت برنامجا للتحرير والوحدة، غير أن جزءا من النخب السياسية المغاربية التي تعاقبت على الحكم منذ موجة الاستقلال منتصف القرن الماضي، أصرت بحساباتها وأعطابها على أن يستمر الأمر كله مجرد حلم تتناقله الأجيال، بل إن الحلم في كثير من اللحظات المفصلية في تاريخ المنطقة تحول إلى كابوس.

المؤسف اليوم، هو أن هذا المشروع المفتوح على التاريخ والجغرافية، أحجم حتى على أن يكون حلما، فالنزعة الوطنية الضيقة، قتلت هذا الأفق، بل لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أن هناك ممارسات تعمل بصورة جادة بوعي أو بدونه، على إدامة هذا الوضع وتعميق جوانب الخلاف، بدل تعزيز مساحة المشترك بين شعوب المنطقة والتي تميز منطقة المغرب الكبير عن باقي مناطق  شمال افريقيا والشرق الأوسط، فالدول الخمسة تتوحد في اللغة والدين والمذهب وهي العناصر بالضبط التي تشكل اليوم وقود الصراعات في منطقة الشرق الأوسط، بعد أن نجح الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، في أن يجعل الصراع العربي الإسرائيلي مسألة ثانوية دخلت التاريخ وخرجت من جغرافية التدافع السياسي والعسكري الجاري بكثافة وحماس كبير في جوار الدولة العبرية.

ما الذي يجعل منطقة المغرب الكبير عصية على الوحدة والتكامل الاقتصادي؟ ليس الوحدة بالمعنى الناصري الحالم أي الدولة الواحدة كما عاشته مصر وسوريا في لحظة من لحظات الرومانسية السياسية، بل بمنطق التعاون والتضامن والتكامل العقلاني على أرضية المصالح المشتركة، فبينما تتفاوض بلدان الاتحاد الأوربي مجتمعة عبر مؤسساتها في بروكسيل، نرى بلدان المنطقة تتفاوض كل واحدة بمفردها مع مجموع بلدان الاتحاد الأوربي، إذ كيف يمكن لهذه المفاوضات أن تكون عادلة وذات قيمة بالنسبة لشعوب المنطقة؟ الغريب أن المفاوضات الجماعية الوحيدة التي تجري في إطار جماعي وخاصة تلك التي تجمع البلدان الخمسة جنوب أوربا مع بلدان المغرب الكبير الخمسة، هي تلك المتعلقة بالأمن والهجرة غير الشرعية، أما باقي المفاوضات المتعلقة بالتبادل التجاري، فإن بلدان الاتحاد المغاربي تخسر فيها بشكل مستمر لأنها تذهب إليها منفردة، فالمنطقة التي تحتل موقعا إستراتيجيا في قلب العالم وتنام على ثروات هائلة وكتلة ديمغرافية واعدة مع مع هيمنة واسعة للشباب على مجموع السكان النشيطين وهو امتياز في طور التحول بما لا يخدم مصالح دول المنطقة، فإنها رغم كل ذلك تسجل أضعف مستوى من الاندماج الاقتصادي على مستوى القارة الإفريقية ويظهر ذلك جليا في ضعف المبادلات التجارية بين الدول الخمسة إذ لا تزيد عن 2 بالمئة كما أن كثيرا من الخبراء يؤكدون أنها تخسر ما بين 3 و5 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، وما يعنيه ذلك من خسارة لملايير الدولارات سنويا وعلى مدى عقود، فرغم أن اقتصادات البلدان الخمسة، هي اقتصاديات متوسطة وصغيرة فإن قوتها لو اتحدت، تتمثل في كونها تعتمد على نشاطات متكاملة، فالطاقة موجودة في كل من ليبيا والجزائر والفلاحة والفوسفاط في كل من المغرب وتونس والحديد والثروة البحرية في موريتانيا والمغرب، زيادة على ما حققه المغرب في إطار برنامج " إقلاع " الصناعي الذي يبدوا واعدا في قطاع السيارات والطائرات إذ سيبلغ إنتاجه الصناعي مليون سيارة في السنة، إضافة الى ما تزخر به دول المنطقة مجتمعة من قوة للشباب وملايين المهاجرين ممن اكتسبوا خبرات في العلوم والاقتصاد الحديث في بلدان المهجر، ولهم كامل القدرة على دفع المنطقة الى آفاق رحبة بخصوص التنمية في مختلف مستوياتها.

بقراءة موضوعية لواقع الاتحاد المغاربي الذي ظل منذ اتفاقية مراكش سنة 1989 عبارة عن اتحاد شبح، نخلص الى أن ما تم لم يكن سوى من باب رفع العتب على نخب تلك المرحلة، بينما تستمر الأجيال الحالية والقادمة في أداء فاتورة هذا الغياب أمام تطورات هائلة على المستوى العالمي سواء على المستوى الاقتصادي أو التكنلوجي وأساسا على مستوى الاندماج والتكامل، وخاصة التحديات الأمنية التي تواجه المنطقة وفي صدارتها الإنهاير الذي تعرفه ليبيا كدولة بفعل عدم قدرة الدول المغاربية على بلورة موقف موحد قادر على زعزعت المعادلة الجاري ترسيخها في ليبيا، وكذلك من ما يجري في خاصرتها في منطقة الساحل والصحراء، كمجال جيواستراتيجي  لمحاصرة ثروات المنطقة في الشمال والجنوب، لكن الغريب هو أن بعض بلدان المنطقة تشارك في هذه اللعبة بحماس كبير دون الوعي بمخاطرها الاستراتيجية على الكيانات الوطنية من جهة، وعلى الأفق الوحدوي الممكن، فتصاعد النزعات الانفصالية بالمنطقة وظهور جيل جديد من هذه النزعات كما تعرفه اليوم ليبيا ومالي، مع استمرار جمود العلاقات الثنائية بين المغرب والجزائر والتي تسجل حالة غريبة وفريدة على المستوى الدولي إذ تمثل حدود البلدين البرية رقما قياسيا في الإغلاق بين دولتين في زمن السلم... فالحدود مغلقة منذ 1994، هذه الوقائع والتحولات تنذر بأن كلفة اللامغرب عربي ستكون كبيرة في المستقبل، وأن الرهانات الغربية على جعل المنطقة وقودا لأزمات إقليمية مقبلة، أصبح حقيقة ظاهرة يصعب الإدعاء بعدم معرفتها، فالغرب اليوم بدأ تدريجيا يحدث تحولات في خريطة النزاعات العالمية بما يخدم مصالحه العسكرية والتجارية والاستراتيجية، وفق رهان يجعل منطقة الشرق الأوسط تغرق في حروب طائفية ومذهبية وتهديدات خارجية متمثلة في كل من إيران وإسرائيل وتركيا، مع جعل منطقة شمال إفريقيا تعيش تحت تهديد مستمر للتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء، دون إغفال تحول شرق المتوسط إلى بؤرة جديدة للصراع الدولي حول الطاقة، وهو بكل تأكيد صراع سيشمل ضفتي المتوسط، ما يجعل اتحاد المغرب العربي، وأكثر من أي وقت مضى، ضرورة استراتيجية ومصيرية لشعوب المنطقة وأنظمتها على السواء، فهل تدرك النخب الحاكمة في المنطقة هذه الحقيقة؟ أم أنها ستخلف الموعد مع التاريخ كعادتها؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم