إعلان

ترسيم الحدود: هزيمة السلاح!

المصدر: النهار العربي
 محمد قواص
محمد قواص
وزير الطاقة اللبناني وليد فياض
وزير الطاقة اللبناني وليد فياض
A+ A-
غامر وزير الطاقة اللبناني وليد فياض بالتشاطر على الوسيط الأميركي آموس هوكستاين. أبلغه أنه (شخصياً) لا يستطيع رفض الهبة المجانية المقترحة (من الأمين العام لـ"حزب الله") من الفيول الإيراني لتشغيل معامل الكهرباء. أراد فياض أن يتدلل على ضيفه الأميركي بالتلميح (ابتزازاً) بالخيار الإيراني. أجاب هوكشتاين، وفق رواية الوزير نفسه: "الأمر يحتاج إلى مجلس وزراء".

بدا الضيف الأميركي خبيراً في الشؤون الدستورية اللبنانية ومرجعاً في عملية اتخاذ القرار السياسي في لبنان، وأن ردّه لم يحتجّ إلى استشارة أو كثير عناء. بدا الرجل أيضاً عارفاً بالكيفية التي تُتخذ فيها قرارات الدول في المسائل الحساسة. وبدا أيضاً مدركاً أن النظام السياسي اللبناني برمته، من خلال مجلس الوزراء، هو وحده صاحب الولاية في تحديد توجهات البلد الاستراتيجية الكبرى، وأن دردشة فياض وما تحمله من هذيان وابتزاز وربما سذاجة لا تستحق إلا هذا الردّ: "اذهب إلى مجلس الوزراء".

يعود الوسيط الأميركي إلى لبنان حاملاً "بشرى" موافقة إسرائيل على القبول بالتنازلات التي قدمتها بيروت والاكتفاء بها. سبق أن أبلغ البلد عبر حديث تلفزيوني قبل أسابيع أن لبنان لا يمتلك شيئاً وعليه التفاوض كي يكسب ما لا يملكه. عاد منذ أيام ليدعو ساسة الحكم إلى الغبطة برضا إسرائيل بتخلي لبنان عن الخط 29 وإكرامه بعدم النيل من الخط 23. ولا شك في أن الرجل الذي يستنتج "انهيار" شروط بيروت لا تزعجه تلميحات الوزير اللبناني ومسيّرات "حزب الله" التي حشرت أنفها من دون أن تؤثر استعرضاتها في ما يحمله في ملف ترسيم الحدود.

يبلغنا الوزير اللبناني ما سمعه من الضيف الأميركي. ونفهم من أجوبة هوكشتاين المستور في مداولات حكومة لبنان لإنعاش قطاع الكهرباء في لبنان. فحين تكثر جلبة الحديث عن "قانون قيصر" الأميركي كمسؤول عن تعطيل مشروع استجرار الكهرباء والغاز من الأردن ومصر من طريق سوريا إلى لبنان، يجيب المسؤول الأميركي بأن الأمر غير متعلق بواشنطن أبداً، بل بتقدم المفاوضات مع البنك الدولي. وللبنك شروط معروفة لإتمام أي صفقة تمويل تخصّ هذا الملف. وعلى هذا، وبسبب تقاعس بيروت عن تلبية هذه الشروط الإصلاحية، فإن واشنطن غير مسؤولة وغير معنية وغير قادرة على تجاوز قرارت المؤسسة الدولية المالية الكبرى.

كانت السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا قد أبلغت بيروت في آب (أغسطس) من العام الماضي عزم بلادها على المساعدة لتسهيل مشروع استجرار الكهرباء من الأردن والغاز من مصر صوب لبنان من طريق سوريا. قيل حينها إن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قد أثار الأمر مع الرئيس الأميركي جو بايدن حين زاره في واشنطن في تموز (يوليو). ومع أن الحدث أطلق ورشاً مكثفة لإبرام الاتفاقات بين القاهرة وعمان ودمشق وبيروت، إلا أن معوقات "عقوبات قيصر" الأميركية ضد سوريا بقيت عاملاً معيقاً لوصول المشروع إلى نهايات منتجة.

يعِد الوزير اللبناني بالسعي لدى شركة كهرباء لبنان لرفع تعرفة الكهرباء كما يطلب البنك الدولي. وعادة ما يكون أمر رفع الأسعار سهل التنفيذ من قبل أي حكومة في العالم وأي وزير معنيّ بهذا الشأن. وهو أمر بات يسيراً في لبنان الذي انهارت فيه أعراف الاقتصاد وخطوط الحلال والحرام على المستوى المالي. لكن البنك الدولي يطالب أيضاً بما هو أهمّ لإبرام اتفاق حول ملف الكهرباء، بأن يصار إلى تشكيل الهيئة الناظمة لهذا القطاع، وهو أمر، كما حاضَرَ هوكشتاين أمام فياض، من المسائل التي يقررها مجلس الوزراء. 

غير أن مداولات هوكشتاين في بيروت، وما صدر عنه من مواقف خلال الأسابيع الأخيرة، وما نقل عنه فياض قبل أيام، توضح المعادلة البسيطة: لا ضمانات أميركية لرفع قيود "قيصر" عن النجدة الطاقوية المصرية - الأردنية إلا إذا أنجزت بيروت "فروضها المدرسية" لإبرام اتفاقها مع البنك الدولي. ولا اتفاق مع البنك الدولي قبل أن تتفق المنظومة الحاكمة على محاصصة تنتج الهيئة الناظمة العتيدة بعد أن يصار إلى تعديل تقني لتعرفة الكهرباء.

يكشف مسلسل التفاوض حول ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان هزال الأداء اللبناني ودونكيشوتيته وارتباكه إلى حدّ مثير للشفقة. تولّت بيروت حشو الخرائط بخطوط متعثرة حائرة متعددة المراجع والمصادر ما بين مؤسسات الدولة الواحدة. يميط المسار ونتائجه اللثام عن مناكفة وكيدية مارسها الممسكون بالملف بنسخة رئيس مجلس النواب نبيه بري وتلك التي تتالت من قصر بعبدا برعاية رئيس الجمهورية ميشال عون.

والواضح أن "حزب الله"، حليف بري وعون، حاضر بقوة داخل هذا الملف في الكرّ والفرّ والتهويل والتهديد والتنازل إلى حافة الاندحار. تداول الإعلام في بيروت قبل أيام وثائق تثبت أن اتفاق "17 أيار/مايو" عام 1983 والذي قوبل بالتخوين وحملة مضادة داخلية وأخرى خارجية قادتها دمشق وتم إلغاؤه بعد أقل من عام، أعطى لبنان الحقّ في السيطرة ليس على حقل قانا (في الخرائط الحالية) فقط، بل على حقل كاريش وجزء من حقل تنين الإسرائيليين حالياً، ما يكشف حجم الخسارة التي تكبدها لبنان برعاية المنظومة السياسية التي يهيمن على قرارها "حزب الله".

ومن دون الدخول في صحة اجتهاد أي وثائق، فإن الواضح أيضاً أن عملية إخراج لـ "الهزيمة" في ملف التفاوض احتاجت إلى إنذارات السيد حسن نصر الله ووعده بزلازل مقبلة، واحتاجت أيضاً إلى مشهدية المسيّرات (التي كاد "حزب الله" يقسم في بيانه أنها غير مسلحة)، لا سيما تلك التي صوّرت أعمال الحفر والتنقيب في كاريش وهي أعمال ليست سرية لا تخفيها إسرائيل وتجري وفق عقود دولية معلنة.

تعامل هوكشتاين مع وزير الطاقة اللبناني كموظف صغير لا يعرف أصول الصنعة وعدّة الشغل داخل النظام السياسي اللبناني. وتعامل الوسيط الأميركي باستخفاف كامل مع أدوات الرعب التي أخرجها "حزب الله" زاعماً أمام مناصريه التهويل بها على "العدو" وإجباره على القبول بالتنازلات المذلّة التي قبلت بها بيروت بعد سنوات من المكابرة المنقطعة عن المزاج الدولي وعن سوق الطاقة في العالم. عاد الوسيط الأميركي ليبلغ رؤساء البلد، في عهد "فائض القوة" المزعوم، أنهم فهموا أخيراً شيفرة التعامل الدولي وأنه "رحم الله امرئاً عرف حدّه فوقف عنده".
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم