إعلان

كما لو أن نزاع الأحزاب في العراق صار محسوماً!

المصدر: النهار العربي
فاروق يوسف
فاروق يوسف
صور للصدر رفعها مناصروه وأخرى للمالكي تصفه بالديكتاتور. أ ف ب
صور للصدر رفعها مناصروه وأخرى للمالكي تصفه بالديكتاتور. أ ف ب
A+ A-
لم يكن متوقعاً أن يكون انسحاب مقتدى الصدر من العملية السياسية في العراق انتقالاً إلى جبهة المعارضة الصامتة التي تترقب ما سيفعله الآخرون بنوع من عدم الاكتراث في انتظار النتائج السلبية. وإذا ما كان نوري المالكي وهو خصمه اللدود قد فهم أن ذلك الانسحاب يمهد لعودته إلى موقعه القديم عراباً للعملية السياسية وحارساً لنظام المحاصصة ففي ذلك خطأ عظيم في التقديرات سيكون عليه عاجلاً أن يدفع ثمنه. فالصدر لا يطيق صبراً على خصومه الذين يعرف أن أسباب ضعفهم تكمن في التصعيد الطائفي الذي ينحصر في الولاء لإيران، وهو ما يعني عدم استثناء الشيعة المختلفين معهم من النبذ والعزل والإبعاد وتكريس طائفية أشد خطراً من ذلك النوع الموجه إلى الطوائف الأخرى.
 
ولأن المالكي وهو المتهم بدفع البلاد إلى حرب أهلية في سنوات حكمه الأولى (كان رئيساً للوزراء ما بين عامي 2006 و2014) لا يكف عن الإشارة إلى حرب شيعية ــ شيعية، فإن عودته إلى زعامة البيت الشيعي لا توحي إلا بأن تشكيل حكومة على أنقاض انتخابات 2021 سيكون بداية لدورة جديدة من دورات العنف الذي عبرت عنه صورته وهو يحمل السلاح محاطاً بحراس غير نظاميين بعد أن اجتاح المحتجون وهم من جماعة الصدر المنطقة الخضراء، منطقة الحكم التي يقع فيها قصره كما تقع فيها سفارة الولايات المتحدة.
 
لقد خُيل إلى المالكي أن صداع مقتدى سيختفي ولو لوقت قصير في انتظار تشكيل حكومة جديدة، تكون جزءاً من الدولة العميقة التي يديرها. وحين فوجئ بأن الصدر صار يدير لعبته من خلال توجيه مناصريه بالتظاهر واجتياح مبنى البرلمان لم يجد بداً من الكشف عن الوجه الآخر الذي يعتقد أنه يشكل ضمانة أخيرة في الدفاع عن وجوده الشخصي من طريق التهديد بالقتال المباشر.
 
ولطالما أعلن المالكي أنه زعيم المقاومة في العراق من غير أن يعترض على ذلك أحد من زعماء الميليشيات التي ثبت أنها من الممكن أن تتركه وحيداً بعد أن دب الخلاف بينه وبين هادي العامري، زعيم تحالف الفتح الذي هو تجمع ميليشيوي تابع لإيران. ربما أراد الصدر من خلال توجيه أنصاره باجتياح المنطقة الخضراء أن يُعلم المالكي أن مصيره الشخصي صار بين يديه وعليه أن يتخلى عن أوهامه، إن في زعامة البيت الشيعي وإن في قدرته على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء يوم كان يحظى بالدعم الأميركي والاحتضان الإيراني.
 
غير أن ركن المالكي جانباً لا يعني التخلص من عقدته التي تتحكم بالدولة العراقية. فالمالكي لا يزال قادراً على توسيع دائرة الفوضى من خلال أعوانه المنتشرين في كل مفاصل الدولة وأيضاً من خلال فئات كثيرة مستفيدة من القوانين التي سنّها في عهده وصارت تثقل على الدولة بنفقات، هي ليست من واجباتها. لذلك سيكون التخلص منه أمراً صعباً. ذلك ما هو على يقين منه بعد أن صرّح غير مرة أنه يملك ملفات فساد سيقلب فتحها الطاولة على الجميع. وهو ما يوحي في أن أسرار دولة الفساد لن يتم التعرف إليها إلا من خلاله.
 
وإذا ما كان المالكي قد بحث عن واجهة جديدة من خلال ترشيح محمد شياع السوداني، فلأنه كان يبحث عن ضحية تكون بمثابة الطعم الذي يستدرج مقتدى الصدر إلى الموقع الذي يكشف فيه عن نواياه. غير أنه لم يتوقع أن أنصار الصدر سيقتربون من قصره وهم يعلنون احتجاجهم على مرشحه. بالنسبة إلى الصدر، فإن ذلك لم يكن سوى تمرين على الأعصاب، فشل المالكي في اجتيازه. فلو أنه كان مطمئناً لقوته لما ظهر كما لو أنه يدافع عن نفسه بالسلاح. تلك صورة أخيرة لرجل يغادر السياسة.
 
نجح الصدر في تحطيم صورة المالكي زعيماً سياسياً مهيمناً. ذلك إنجاز لن يتمكن منه معارض تخلى عن جثته الانتخابية وقرر أن يهب نصره للخاسرين. لقد وهبهم جثة. لكن الصدر مدفوعاً برغبة الانتقام كان قد قرر أن يكشف عن هلع خصمه الذي لم يعد يثق بالأطراف السياسية التي تحالفت معه فاضطر أن يظهر وحيداً ليدافع عن مملكته. من المؤكد أن الصدر كان يضحك وهو يرى خصمه في ذلك الوضع الرث.
 
قبل أن يصل المشهد السياسي في العراق إلى نهاية فصله الجديد سيكون الحل الوسط مستبعداً. ربما سيطول زمن الفوضى، فالصدر وقد ضمن حياد الأجهزة الأمنية وهو ما يشير إلى موقف مصطفى الكاظمي المحايد في الأزمة، لن يتمادى في العبث بالوضع الأمني غير أنه لن يسمح لجبهة خصومه بالعودة إلى تماسكها. كما أنه لن يُفلت فرصة ظهور المالكي وحيداً من غير حلفائه ولن يجعلها تضيع من يده. فأي تسوية لن يكون طرفاً فيها إلا إذا تم تجريد خصمه اللدود من كل أسلحته وفي مقدمها وجوده في العملية السياسية زعيماً لائتلاف دولة القانون.
 
لو كان ذلك الهدف قد تم الإفصاح عنه قبل أن يهدد المالكي بوقوع الحرب الأهلية لاعتبر نوعاً من الأمنيات التي لا يتفاعل معها الواقع، غير أن ذلك التهديد دفع بالمالكي إلى زاوية، سيفضل الجميع أن يتركوه فيها وحيداً.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار العربي الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم